المتلاعبون بالدين ، هم التكفيريون ، وهم لا يصلون إلى ما هم عليه إلا من خلال التلاعب بالعقول ، والدس على الرسول.

منذ البدايات النبوية الأولى ، وفي عهد الرسول بدأ ناس من الناس – ممن يفترض أنّهم صحابة – يكذبون على الرسول ، فقال بحقهم : ” من كذب عليّ متعمداً فليتبوّء مقعده من النار ” . ويبدو أن الرسول كان يعاني من مشكلة الكذب في مجتمع مازلنا نعطيه غطاء من القداسة ونحن في القرن الحادي والعشرين!

وهؤلاء الكذابون ، وصفهم الله في القرآن بالظلمة ، فقال : “فمن أظلم ممّن كذب على الله وكذّب بالصدق إذا جاءه” الزمر/٣٢. وبيّن مصيرهم يوم القيامة ، بقوله : “ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين” الزمر/٦٠ . ويبدو كذلك أن ظاهرة التكذيب ، وانتشار الكذب واكبت انتشار الإسلام في مرحلتيه المكية والمدنية . فقال : “ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته” الأعراف ٣٧ وتكررت الآية ذاتها في سورة يونس /١٧ . وفي العنكبوت “ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه”آية ٦٨. وقد تكررت كلمة الكذب ومشتقاتها وصفاً لمجتمع مكة والمدينة وحديثاً عن الماضين الذين كذبوا الرسل مئتين وسبع وثمانين مرّة في القرآن الكريم . وهذا رقم لا يستهان به ، وهو يؤكد زعمنا بأن مجتمع الرسول كان يعاني من ظاهرة الكذب ، فحاربها القرآن وحاربها الرسول ص . بل حاربها حتى في الأحلام ، الترمذي باب من تحلم كاذباً وانظر : البخاري : في باب التفسير ، والمغازي ، وفي باب إثم من كذب على النبي r جنائز أنبياء ، زهد ، فتن ، مناقب ، ومناقب الأنصار – وباب التعبير . ومسند ابن حنبل : ج٤/٣٧٣-ج٦ /١٤٧ –ج٥/٨٩-٩١-٩٣-٩٥-١٠٠ . النسائي : في البيوع – المناسك – الطلاق . ابن ماجة : في الزهد – فتن . مسلم : باب الجهاد – لعان – إيمان . الترمذي : باب الإيمان – التفسير – الفتن – المناقب . أبو داوود : الأقضية – المناسك – اللباس.

وعلم r أنهم كانوا يكذبون على القرآن ، نعم حتى القرآن ، فقال الرسول : “ومن كذب على القرآن بغير علم فليتبوء مقعده من النار” كما في مسند ابن حنبل . بل أشار الرسول إلى تفشي الكذب في أمته حين قال : “ثم يفشو الكذب ..” الترمذي في الفتن ، وابن حنبل ج١/١٨ وابن ماجة في الأحكام . وقوله : “لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب “ابن حنبل.

ومن شدة خطر الكذب جعله الرسول أخطر من الزنى ، والقتل والسرقة ، فالمؤمن قد يقتل .. قد يسرق .. قد يزني ولكنه لا يكذب ! هذا الحشد من الشواهد عن الكذب سقناه لنؤكد وجود ظاهرة الكذب عند العرب آنذاك ، وخوف النبي من تفشّيها بل ، إنه تحدّث عن تفشّيها بينهم لاحقاً كما مرّ بنا، لهذا كان الخلفاء الراشدون ضد تدوين الحديث لأنهم كانوا يعلمون حصانة القرآن ، ويعلمون ما قد يفعله المنافقون والكذابون على لسان الرسول ، وقد كذبوا عليه وهو حي ، أفلا يكذبون عليه ، وهو ميت ؟!

من أجل هذا رفض أبو بكر الخليفة الراشدي الأول كتابة الحديث ، وكان يقول عندنا في كتاب الله ما يكفينا ، وتبعه على ذلك عمر وعثمان ، ولما جاء علي قال عبارة كبيرة في هذا الموضوع حين طرح عليه الأمر ، قال : ” أقرآنان في بيوت المسلمين !..” فرفض جمع الحديث ، مكتفياً بالقرآن الكريم.

ومرّت السنون وحدث ما كان الرسول r يخشاه من الكذب عليه ، وحدث ما توقّعه من تفشّي الكذب ، وحدث ما خشي منه الخلفاء الراشدون من أبي بكر إلى علي.

كل الأمة مجمعة على القرآن كتاب الله المنزل بالتواتر المحفوظ دون زيادة أو نقصان من لدن رسول الله r إلى العصر الحديث . وإنما كان وما يزال الخلاف في تفسير معاني بعض الآيات أو الكلمات ، وأخطر ما في هذا الخلاف الدخول في بحث التشبيه والتجسيم ، وخلاصة رأينا في هذا الموضوع قول الطحاوي ، أحمد بن سلامة ت٣٢٩هـ ، يقول : “من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر “.

أما الحديث ، فهو المشكل وقد وقع فيه الدس والكذب على رسول الله r ونشأ فيه الوضع متلازماً مع كل فرقة من فرق المسلمين و حين بدأ تدوين الحديث أخذوا عمن بقي من الصحابة ، ثمّ من التابعين ، ثم من تابعي التابعين … ولما كان جلّ همّهم يقع في تتبع السند صحة وعدلاً واستقامةً ، أكلوا من هنا ! .. نعم أكلوا من السند الذي كان بعضهم مختصّاً في إخراجه بدقة ، ولو كان متن هذا السند يناقض القرآن الكريم !.. ومن هذا السند دخل التدليس.

والملاحظ المتتبّع في تاريخ جمع الحديث في القرن الثالث الهجري ، يرى قمّة العمل في جمع الحديث أيام المتوكّل العباسي ت٢٣١هـ ، قبله بقليل وبعده كذلك في عصر اختلط فيه الحابل بالنابل ، وعلا فيه الهرج والمرج ، وكان للشعوبية فيه صوت وأي صوت لاسيما للأتراك الحاقدين الذين سيطروا على مقدرات الخلافة منذ أيام المعتصم الخليفة الغبي الأرعن الأمّي . فظهرت أحاديث غريبة عجيبة ، ستثبت لاحقاً أنها نقلت عن التوراة والتلمود في باب ما سمي بالإسرائيليات . وأخطر وأهم ما فيه منذ البداية الزعم بأن الرسول r قال : “ستفترق أمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة..” فهذا القول يزعم علم الرسول بالمستقبل والرسول لا يعلم ، والله وحده العالم ” وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو”الأنعام /٥٩ . ويقول على لسان الرسول r : “ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ” الأعراف /١٨٨.

وقد يوحي الله تعالى لنبيه من أنباء الغيب من القصص والأمور التي فيها العظاة، وما يشد به فؤاد النبي r فيقول له : “ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك”يوسف/١٠٢ . ولا يندرج الحديث المذكور تحت هذا النمط الذي كان القرآن يسعى فيه ليثبّت فؤاد النبي r أمام ما يعانيه من كفار قريش ، وكفّار العرب.

وإذا عدنا إلى الحديث فإننا نجده يحدد الفرقة الناجية بما كان عليه الرسول r وأصحابه ، وفي رواية هي الجماعة ، وفي رواية ابن حبان : “وهي السواد الأعظم”، وهذا ينسجم مع كل ما قاله العلماء في تعريف المسلم بأنه كل من آمن بما جاء به رسول الله r وبدأ إيمانه بشهادتين وهؤلاء هم السواد الأعظم . وقد شهد القرنان الهجريان الثالث والرابع أصعب مرحلة مرّ بها المسلمون في تاريخهم ، بل بدأت الأمور من أيام قتل الأتراك المتوكل ، وسيطرتهم على البلاد والعباد ، ثم قتلوا بعده ابنه المنتصر وكان قد ساعدهم على قتل أبيه ، ثمّ قتلوا المستعين والمعتز ، وفي هذا كان ابن المعتز ، يقول : وكل يوم ملك مقتول أو خائفٌ مُروَّعٌ ذليل

ثم قتلوا المهتدي إلى أن جاء المعتمد ثمّ المعتضد ، ولما جاء ابنه المكتفي كانت أمور الخلافة كاملة بيد الأتراك ، فسيطر الفساد على المجتمع ، فساد الخلاف بين الطوائف الإسلامية ، وسيطر الجهل على القصر الخلافي ، ويذكر التاريخ أنّ الصولي عُهد إليه بتربية الراضي بالله وأخيه هارون ، فحبب إليهما العلم ، فقال له أهل القصر : “ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء ، وهذا أبوهما قد رأينا كل ما نحب فيه ، وليس بعالم ” فلمّا سمع الصولي أتى نصراً الحاجب بما قيل له ، فبكى ، وقال : “كيف نفلح مع قومٍ هذه نياتهم ” وفي عهد المقتدر غلب الفساد عليه ، فعكف على لذائذه ، وتوفّر على المغنين والغناء .. وكانت في أيامه أمور لم يكن مثلها في الإسلام ، وجاء بعده القاهر فسمل الأتراك عينيه ، ثمّ سملوا عيني المتّقي الذي جاء بعده ؛ وسيطروا على الدين والدنيا.