روزانا رمّال | لم تعُد مسألة مواجهة حزب الله متعلقة بفصيل إرهابي خارج عن الشرعية، كما تصنفه الدول الغربية، على اعتبار انه ابعد مما يسمح به القانون اللبناني والأعراف الدولية، لأن ذلك قد تم تخطيه بشكل ملموس. لم تعُد مسألة سحب سلاح حزب الله القضية الأساسية التي تشغل بال الولايات المتحدة الأميركية و«إسرائيل»، ليس لأنها لا تريد ذلك، بل لأن هذا الهدف سبق وحدّد على سلم اولويات الطرفين.

وقد تمّ اللجوء إلى خطط مباشرة عملت على ذلك على الصعيدين المحلي والخارجي، إضافة لشن حرب بأهداف محددة على حزب الله عام 2006 تمحورت حول عنوان واحد وأساسي هو «سحق حزب الله».

وهي كانت فعلاً حرباً ضروساً قامت القوات الجوية «الإسرائيلية» باستهداف أغلب الأهداف التابعة لحزب الله بين مدني واجتماعي واقتصادي لخدمة الهدف ذاته، وتقليب قاعدة حزب الله الشعبية عليه من جهة، إضافة الى احتلال جنوب لبنان في أيام الحرب مجدداً قبل أن يطرد حزب الله جنود الاحتلال مجدداً، رغم ان «الإسرائيليين» في تلك الحرب عمدوا إلى تدمير أغلب القرى والبلدات الحدودية تدميراً كاملاً على اعتبار أن ذلك يساعد في الحفاظ على الوجود وكشف المنطقة أمنياً والبقاء فيها أطول فترة ممكنة بمحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ونسف إنجاز عام 2000 بتحرير الجنوب.

الهدف الأساسي إذاً من حرب تموز كان احتلال جنوب لبنان مجدداً، وذلك لا يتمّ من دون القضاء على حزب الله وبين مطالعة الأهداف «الإسرائيلية» السابقة والراهنة، فإن مسألة العودة عن خطأ الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 لا تزال هي أساس ومنطلق كل المخططات «الإسرائيلية» في المنطقة.

فمنذ ذلك الوقت ارتفع منسوب الخطر على الوجود «الإسرائيلي» بعد تعاظم قوة حزب الله باعتراف استخباري وأمني «إسرائيليين»، ما جعل مسألة الحضور الأميركي الى المنطقة أكثر إلحاحاً ومسألة احتلال العراق وتمركز الأميركيين كقاعدة هناك على مقربة من إيران ضرورة تلقى رغبة «إسرائيلية» وتأييد كبيرين بعد ان نجح حزب الله في إفشال مخطط «إسرائيل» باستعادة امنها الحيوي ككيان له قوام اساسية عدة تجب المحافظة عليها لاستتباب جزء من الأمن المطلوب.

لكن الأمور تغيّرت وحزب الله ايضاً تغير مضموناً ودوراً. لم تعد مهمة هذا الحزب إفشال المخططات «الإسرائيلية» فحسب، ولم تعد مهمته القتال من أجل اكتساب الشرعية لا دولياً ولا محلياً بعيداً عما كان قد رسمه الأفرقاء اللبنانيون من مخارج في البيان الوزاري الذي حمل تأويلات وتفسيرات عديدة عند البعض بنقاش مسألة الإجماع الوطني عليه.

لم تعد مهمة حزب الله ايضاً الاستنفار بوجه أي حرب «إسرائيلية» صار يعتبرها عبئاً على «إسرائيل» بدلاً متمسكاً بذلك لاستبعادها عليه مباشرة في مثل هذه الظروف. كل هذا تغير لأن مهمة حزب الله تغيرت فبعد تعاظم قوته صار الدور أكبر وإذ به أحد أبرز الأطراف التي أفشلت المشاريع الأميركية.

فحزب الله عندما كان قوة محلية كان معنياً بالتصدي للمشاريع «الإسرائيلية» التي تعنيه مباشرة، لكنه اليوم معني بالتصدي للمشاريع الأميركية الموضوعة ضمن أجندة البنتاغون من لبنان لسوريا فالعراق واليمن.

ولا يُنكر الحزب وجود عناصره بشكل مباشر وبأعداد كبيرة في لبنان وسوريا وجزء بالعراق وبوجود استشاري او مباشر في اليمن بعدد مكلف بالمهام هناك.

صارت الحرب الأميركية مع حزب الله أكثر وضوحاً. وعندما يتحدث الأميركيون عن عقوبات عليه لا يعنون بذلك انتقاماً او رداً للاعتبار «الإسرائيلي». فالمسألة صارت تتعدّى الحليف لتصل لحدود الحسابات الأميركية المركزية. فوجود حزب الله في العراق هو خطر مباشر على الوجود الأميركي الذي يقع ضمن حسابات دول لا منظمات قادرة على التحرك بسهولة في تلك المناطق.

يُضاف الى ذلك ما قاله أمين عام حزب الله في أحد خطاباته في معرض تهديده لـ«إسرائيل» عن أن أي محاولة منها لدخول لبنان مجدداً أو حربها على سوريا ستكون أمام مئات آلاف المقاتلين السوريين واللبنانيين والعراقيين والأفغان المجنّدين لإفشال الخطوة. وهنا كانت إشارة لافتة من نصر الله على نفوذ حزب الله أو تحالفه مع قوات أفغانية تدخل بالعمق الحساب الأميركي بكل زواياه.

عندما كان حزب الله قوة محلية كان هدفاً لـ«الإسرائيليين»، لكنه عندما صار قوة اقليمية بات هدفاً للأميركيين الذين يشكلون نواة تأسيس التحالفات الدولية والإقليمية الكبرى.

وعلى هذا الأساس صار الأميركيون يدركون تماماً معنى الحرب «الإسرائيلية» وحزب الله. ما من شأنه ان يشكل المزيد من التعاطف مع «إسرائيل» لمواجهة الحزب. ولهذا السبب كان نصر الله جاداً في مسألة شرح العقوبات الأميركية على الحزب مطالباً اللبنانيين عدم التعويل كثيراً على أي مسعى سعودي محلي في الضغط على حزب الله وفي الوقت نفسه مبرراً للدولة عجزها عن عدم قدرتها على إيقاف هذه العقوبات قائلاً إن هذا الأمر بات أكبر من الدولة اللبنانية.

لا يريد نصر الله اعتبار المسألة نوعاً من المفاخرة بتعاظم قوة الحزب، لكنه أراد أن يقول إن حسابات الأميركيين معنا لم تعد على أساس اننا قوة محلية، بل على اساس اننا قوة إقليمية علاقاتها بالأزمة او عداوتها مع الأميركيين باتت مباشرة تتعلق بالاستراتيجية الأميركية برمّتها.


كتبه: صحيفة البناء