إيهاب زكي | وضع السيد نصرالله “إسرائيل” بين حماقتين، حماقة اقتراف خطأ الإحجام عن شنّ الحرب، وحماقة اقتراف خطيئة الإقدام على افتعالها، وهو الموضع التاريخي الأسوأ الذي ترغب “دولة” العدو رؤية نفسها فيه، والأشدّ سوءاً أنّ من أعطاها خارطة الطريق لهذا الموضع هو السيد نصرالله، فهو أمين عام حزبٍ تراه “إسرائيل” كثقبٍ أسود بلا قاع، قادرًا على ابتلاع قدراتها الردعية مهما تراكمت، أيّ أنّه قولٌ فصل وما هو بالهزل، كما أنّه على المستوى الشخصي رجلٌ يتبعه النصر كظله، ولم يسبق أن ذاق مرارة الهزيمة، وهذا بعكس كل أعدائه المباشرين-إسرائيل-وغير المباشرين-التكفيريين-، فحين يصل السيد نصرالله إلى مرحلة التهديد المباشر بإزالة”إسرائيل”، فهذا يعني أنّ الأمر أصبح في متناول سبابته، وليس مستحيلاً أفنت أجيالٌ أعمارها وهي تلوكه كلغو الحديث وأضغاث الأحلام، وقد لا يسعف الوقت يائير نتنياهو ليرث عرش أبيه، الذي توَّجه حزب الليكود كوريث، ويدّعي الكثيرون من متابعيه أنّه يمتاز بالعنجهية والثقة بالنفس المبالغ فيها، فعليه أن يعيد الاستماع لخطاب السيد رأفة بشبابه، عله يحظى بفرصةٍ أخيرة، لإيجاد مكان تحت شمس غير شمس فلسطين.

بالتزامن مع دخول وقف ما سمّي بالأعمال العدائية حيز التنفيذ، في الساعة الثامنة من صباح يوم الإثنين عام 2006، دخَلت قناعتي بأنّ حرب لبنان الثالثة ستكون هي الحرب الأخيرة حيز اليقين، فمن يجترح معجزة انتصار بهذا الحجم جدير بصناعة نصرٍ نهائيٍ عظيم، وحين كان السيد نصرالله يتدرج بالتهديد من مطارٍ بمطار ومحطة كهرباء بمثلها، ثم من “كريات شمونا” إلى “إيلات”، وصولاً إلى حاويات الأمونيا في حيفا ومؤخراً مفاعل ديمونا، كنت أرى أنّ السيد يمارس التواضع الاستراتيجي في ذات الوقت الذي يرسم فيه معادلات الردع، لكن تواضعه هذا لم يكن قادراً على إلزام يقيني به، حيث كان يراه البعض جامحاً وكنت أراه راسخاً، فطبيعة اليقين تتنافى والجموح وتتسق بالرسو والرسوخ، لذلك كنت أنظر لحمى التطبيع التي أصابت المنطقة وعبثية المفاوضات، باعتبارها مجرد لهوٍ خارج أسوار التاريخ إلّا من عارها، ولكن السؤال هو عن الأسباب التي دفعت السيد نصرالله ليستبدل أثواب التواضع بأثواب الواقعية.

يبدو أنّ تلك الأسباب تتأرجح بين سببين رئيسيين، هما الخشية والاطمئنان، الاطمئنان لواقع الميدان السوري، كما الاطمئنان لتطهير كل لبنان من أيّ تواجد تكفيري عسكري، بما يوفر حماية من طعناتٍ محتملة في الظهر، كذلك الاطمئنان لتماسك محور المقاومة بدوله وتنظيماته، والاطمئنان لتعاظم قدرات المحور مادياً ومعنوياً، في مقابل تآكل قدرات العدو.

أما الخشية فهي ما عبَّر عنه السيد نصرالله في موضعين محلياً وإقليمياً، في الشأن المحلي صوَّب السيد على محاولات سعودية لتفجير الوضع الداخلي، من خلال إعادة إحياء تكتلات تهدف لاستدراج الحزب إلى معارك داخلية، تجعل الحزب ينشغل بنفسه على المستوى العسكري وأن يبدو كميليشيا مذهبية على المستوى السياسي، وأن يصبح شاخصاً للتصويب والاستنكار على المستوى الأخلاقي، أما إقليمياً فقد حذَّر السيد نصرالله من نجاح الأهداف لاستفتاء البرزاني في كردستان العراق، حيث تحاول “إسرائيل” الرد على التواجد الإيراني على حدود سوريا مع فلسطين المحتلة، بالتواجد على الحدود الإيرانية مع العراق عبر كردستان البرزاني، بكل ما يعني ذلك من ترميم مشروع التقسيم الساقط بسقوط داعش، وقطع خط الوصل الجغرافي بين عواصم محور المقاومة الذي تعمد بالدّم، وفي إطار هذه اللوحة تبدو مهاجمة “إسرائيل” لحزب الله حماقة غير مبررة، بعكس إحجامها الذي سيكون حكمة مطلقة، حيث لا زالت تمتلك الأدوات التي تغنيها عن التورط بحرب وجود.

وإذا ما أضفنا لتلك اللوحة التحالفات العربية “الإسرائيلية” السرية منها والعلنية، تصبح الحكمة الفعلية أن تستنفذ كل أدواتها قبل اضطرارها لخوض غمار الميدان بنفسها، رغم أنّ هذه الحكمة كما قلت في بداية المقال تستبطن حماقتين، حماقة الركون إلى أدواتٍ أثبتت فشلها، وحماقة تجاهل قدرة هذا المحور على الانتصار بمجرد قرار، وهنا يبدو أنّ مهاجمة حزب الله لـ”إسرائيل” كمبادرٍ بالحرب أكثر منطقيةً، لمحاولة منعها من ممارسة حروب استنزاف، ولكن السيد نصرالله اشترط مبادأتها بارتكاب حماقة الحرب، حتى يصبح زوالها نتيجة حتمية مع عدم قدرة اليهود-ضحايا الصهيونية- على الهروب أو الاختباء، إذاً السؤال هل سيحارب محور المقاومة “إسرائيل” على جبهة كردستان سياسياً واقتصادياً ويمكن عسكرياً، بعد أن هزمها على محور داعش وأخواتها، وتظل هي في مأمنٍ من وعثاء الحرب وهواجس الزوال؟ أظنّ والظن لا يغني من الحق شيئاً، أنّ محور المقاومة هو من سيبدأ الحرب بشرط أن تبدأ بها “إسرائيل”، وهذا ليس لغزاً أو عبارة سقطت سهواً، إنما القصد أنّ هناك قراراً في محور المقاومة باستباق خطة التفتيت والتقسيم الجديدة في المنطقة، من خلال المبادرة للحرب الأخيرة، وهذا من خلال انتظار سلوكٍ يعتبره نتنياهو طبيعياً، في حين سيكون هو الخطأ القاتل، كغارةٍ جوية أو زراعة كاميرا مفخخة مثلاً، ولكن بكل الأحوال فإنّ خطاب السيد نصرالله في يوم العاشر، يصلح لأن يكون تأريخياً لبداية العد التنازلي في عمر “إسرائيل”.


كتبه: موقع بيروت بريس