عمر معربوني* – شكّلت معركة حلب الكبرى التي حقّق فيها الجيش السوري والحلفاء الإنتصار المفصلي الأهم الذي غيّر مسار المواجهة وَدَفع الأمور باتجاهات مختلفة في البعدين الميداني والسياسي، حيث كان واضحاً حجم المتغير الجيوسياسي الذي ينتظرنا، فحلب التي حاصرتها الجماعات المسلّحة حتى نهاية العام 2013 وقطعت طرق الإمداد اليها كان يمكن لسقوطها بيد الجماعات المسلّحة ان يشكّل كارثة كبيرة ويضع سوريا على سكّة التقسيم.

لهذا، كان قرار الحفاظ على حلب مرتبطاً بخطّة القيادة السورية عبر اعادة وصلها بباقي منطقة الثقل الإستراتيجي للدولة، والتي تحتوي المدن الكبرى وطرق الربط بين المدن واغلب المنشآت الحيوية للدولة، وعليه كانت اولوية تلك المرحلة هي خوض معركة طرق الإمداد وشق الطريق البديل الى حلب من السلمية مروراً بإثرية وخناصر، وهو الطريق الوحيد الى حلب حتى اللحظة والذي يعتبر برأيي شريان المواجهة الذي غيّر مسار الحرب.

بالتوازي مع شق الطريق الى حلب كنّا امام معارك دفاع متحرك وتثبيت لخطوط الإشتباك في محيط العاصمة والمدن الكبرى، بهدف تحقيق السيطرة على منطقة الثقل الإستراتيجي او ما يمكن تسميته ايضاً بمنطقة القلب الحيوية من خلال انماط قتال متغيرة تتناسب مع طبيعة التحديات التي شكّلتها جيوب المواجهة المختلفة والمتداخلة.

معارك الدفاع المتحرك التي استمرت زهاء سنتين انتهت بتحرير كامل مدينة حمص وتثبيت خطوط الإشتباك من دمشق الى حلب، لكنها شهدت ايضاً اخفاقات خطيرة لجهة سقوط مواقع الفرقة 17 في الرقّة ومطار الطبقة واللواء 92 في عين عيسى، تبعتها خسارة ادلب وجسر الشغور وهي محطات ادّت الى اتخاذ قرار بإعادة التموضع والتخّلي عن عبء الجغرافيا لتنظيم المُدَافعَة عن مناطق سيطرة الجيش السوري عبر اعتماد مزيج من انماط القتال تهدف الى امتصاص زخم هجمات الجماعات المسلّحة واستنزافها في القوى والوسائط.

بعد هذه المرحلة مباشرةً كنّا امام دخول روسيا على خط الحرب، وهو العامل الذي ساعد في تحقيق انجازات كبيرة في ريف اللاذقية الشمالي ومن ثم في ريف حلب الجنوبي، حيث اتخذت المعارك شكل الميدان المتحرك وشهدنا خلالها هجمتين من اشرس الهجمات على حلب وهما معركة الكليات العسكرية ومعركة غرب حلب بهدف كسر الحصار الذي فرضه الجيش السوري وصولاً حتى مرحلة الإنتصار وخروج الجماعات المسلّحة من حلب.

بخروج الجماعات المسلّحة من حلب كانت خيارات الجيش السوري تتجّه نحو تنظيف محيط دمشق عبر انهاء وجود الجماعات المسلّحة في الريف الغربي للعاصمة بالتوازي مع اطلاق عمليات ريف حلب الشرقي الشمالي والجنوبي لتثبيت نقاط ارتكاز معركة المنطقة الشرقية، وهي المعركة الأولى بعد ست سنوات من الحرب استعاد فيها الجيش السوري القدرة على خوض المعارك الجبهية، وهو ما كان يمكن ان يحصل لولا انتصار حلب وتنظيف محيط العاصمة دمشق في داريا والمعضمية وخان الشيح ومحيطهما وصولاً الى وادي بردى والزبداني ومناطق قدسيا والتل والهامة وبرزة والقابون، وهي بمجملها انتجت تسويات رحل بموجبها آلاف المسلحين وعائلاتهم الى ادلب وسمحت للجيش السوري بتحرير حجم كبير من القوى والوسائط (عديد بشري ومعدات)، وتحويله الى قوات إقتحام وزجّ مكّنت الجيش من إطلاق معركة تحرير تدمر التي كانت بداية مختلفة نقلت المواجهة من الدفاع المتحرك والهجوم المضاد الموضعي الى الهجوم الشامل والإستراتيجي عبر اطلاق معركة الفجر الكبرى التي لا تزال مستمرة وغيّرت بشكل كبير خرائط السيطرة لمصلحة الجيش السوري.

والجدير ذكره ان ما حقّقه الجيش السوري من انتصارات وضع مسار المواجهة مجدّداً أمام مرحلة بداية النهاية التي ستنهي المواجهة مع تنظيم “داعش” قريباً، رغم محاولات إعاقة تقدم الجيش في دير الزور والإلتفاف على عملية العبور الى الضفة الشرقية للفرات بسبب العمليات التي تنفذها “قوات سوريا الديمقراطية” شمال وشمال شرق دير الزور، وهي عمليات اضافة لهدفها في منع الجيش من استكمال العمليات تهدف الى رسم خطوط صدّ توطئة لرسم حدود السيطرة شرق الفرات وغربه، مع الإشارة الى ان عمليات هذه القوات حالياً تتجه نحو شرق نهر الخابور بهدف السيطرة على بلدة الصور ومن ثم الإندفاع شرقاً وجنوباً للسيطرة على مثلث النفط من البوكمال شرقاً حتى دير الزور غرباً وصعوداً حتى الشدادي، وبذلك تصبح اي عملية ربط للجيش السوري مع الحسكة والقامشلي عملية صعبة ومعقدة وتتحول المنطقة التي تسعى “قوات قسد” للسيطرة عليها أمراً واقعاً يعتقد قادة “قسد” انها ستساعدهم في فرض شروطهم خلال اي مفاوضات قادمة مع الدولة السورية.

في كل الأحوال، لا يمكننا رغم الكثير من التعقيدات نكران طبيعة المتغيرات التي حققها الجيش السوري وعلى رأسها ربط الحدود السورية – العراقية، وهو الأمر الذي ادخل الصهاينة في حالة ذعر وانهى مفاعيل قوس العزل الذي كانت اميركا ترغب في اقامته وتثبيته من القنيطرة الى درعا فالسويداء مروراً بالتنف وصولاً الى البوكمال لعزل سوريا عن العراق وتالياً عن ايران، وعزلها عن فلسطين المحتلة من خلال القوس العازل في المنطقة الممتدة من القنيطرة الى درعا.

رغم كل الإنجازات فلا تزال قوى الهجمة تمتلك ما يكفي من الأدوات والإمكانيات تمكنها من الإستمرار في المعركة التي لا يزال حسمها يحتاج الكثير من الجهد والوقت، وخصوصاً بما يرتبط بالأكراد وجبهة النصرة وباقي مناطق خفض التصعيد حيث يمكن في اي لحظة ان تشهد عودة للقتال على غرار ما حصل في ريف حماه الشمالي منذ ايام

(*) كاتب وباحث في الشؤون العسكرية.


كتبه: موقع بيروت بريس