إن العوالم الشعرية لعبد الوهاب البياتي عوالم واسعة وخصبة ومتشعبة ومبهرة ناتجة عن معاناته الطويلة في المنافي التي أتاحت له الفرصة للتعرف على شعراء كبار من مختلف أنحاء العالم ولا يمكن الإمساك بها والكتابة عنها إلا في مجلد ضخم ، وقراءاته المعمقة للأدب العالمي صقلت تجربنه الشعرية ومنحتها بعدا إنسانيا عالميا.

ومن حق شاعر كبير مثل عبد الوهاب البياتي أن يعتد بنفسه ويتباهى بعبقريته الشعرية المتوهجة التي فتحت آفاقا واسعة في عالم الشعر الحقيقي المنبعث من آهات المحرومين والمضمخ بدماء الفقراء المقهورين .

والشاعر حين يعتز بشعره وبشخصه الذي أنتج ذلك الشعر الذي ولد من خلال المعاناة فإنه لايسيئ إلى الآخرين لكنه ربما يثير حسدهم لأن عالم الشعراء لايختلف في جوهره عن عالم السياسيين في وطننا العربي فالكل يدعي الأفضلية والنبوغ والوصول إلى قمة المعرفة . والبياتي لم يكن الأول في هذا النهج الذي استثار البعض وهيج كوامن الحقد في نفوسهم المريضة فراحوا يكيلون له شتى التهم حتى وهو في قبره.ولم يسأل هؤلاء أنفسهم لماذا ترجمت أشعار هذا الشاعر الكبير إلى مختلف اللغات العالمية الحية ؟ ولماذا تحتفي به الأوساط الأدبية على صعيد العالم والمغرب العربي ؟ولماذا يعتبره كبار النقاد في الوطن العربي كعز الدين إسماعيل ورجاء النقاش وإحسان عباس ومحمد قوبعه وخالد الغريبي وريتا عوض ومحمد علي اليوسفي وفؤاد التكرلي ومحمد دكروب وغيرهم من كبار شعراء الحداثة في الوطن العربي والعالم ويعتبرونه قد خط مسارا جديدا ومؤثرا في عالم القصيدة المعاصرة .؟ وإن شعره مفعم بالشحنات الإنسانية الصادقة والمدهشة والمؤثرة.؟ هل هؤلاء الكبار جميعهم منافقون يتلاعبون بالألفاظ فقط من أجل سواد عيون عبد الوهاب البياتي؟ ونحن حين نتناول شعر البياتي لانهول ولا نتمادى في المديح لكي ينهض من قبره ويمنحنا جائزة. ومن حقنا كمتابعين للثقافة وسيرة الشعراء العراقيين والعرب أن نقول عجبا لهذا الزمن الذي انقلبت فيه القيم والمفاهيم رأسا على عقب وصارت الدمى المريضة تتهم الخيول الأصيلة بما ليس فيها. وتتجاهل كل ماقاله أساتذة الأدب والنقد الكبار في الوطن العربي والعالم بحق شاعر عبقري فذ كالبياتي معتقدة إنها تسوق بضاعتها الفاسدة على محبي الشعر بأوصاف سطحية لاتستحق الرد.

من حوار للشاعر البياتي مع إبراهيم الزبيدي قبل وفاته بأسابيع قال:

(القلق في حياتي يشبه حال الناس عندما يعم القحط .أرأيت كيف يخرجون ليتضرعوا إلى الله ؟ .. كذلك أخرج أنا لأضرب في الأرض على غير هدى مدفوعا به إلى أفق القصيدة الموصد حتى يفتح . إنني مدين لهذا العالم الكبير الذي كان لكتابته عني فعل السحر أو فعل الحجاب بلغة صوفية ، فلقد منحتني وأنا في مقتبل العمر وفي بداية المضمار قوة هائلة لتحدي المستحيل ولمواصلة رحلتي الشعرية بعنفوان الشعر وعظمته وشروطه بالرغم من حسد الحساد. )

لقد كان يجوب بلدان الشرق والغرب وتحاوره المنتديات الثقافية وتحتفي به أينما حل ويلقي أشعاره ويتعرف على كبار المثقفين والأدباء والشعراء في الشرق والغرب. وحين تأججت أحقادهم قالوا عن هذه الرحلات الكونية التي قام بها :

(إن عبد الوهاب البياتي في أسفاره تلك كان يبحث عن الشهرة وليس عن الإبداع.!!! ) وكأن كل النقاد الكبار الذين كتبوا عن شعره في نظر هؤلاء الذين في قلوبهم مرض بأنهم جماعة من السذج والمتطفلين على الثقافة وإنهم جاملوا الشاعرعبد الوهاب البياتي على حساب الثقافة وهذا هو التناقض والزيف بعينه ولا عجب في هذه الأصوات الناشزة التي حكم عليها التأريخ باللهاث خلف المصالح الشخصية والعيش في المكاتب الأنيقة التي يمنحها الطغاة لمداحيهم. ورحم الذي قال:

(إن الشجرة المثمرة تتلقى الكثير من الأحجار .)

لقد إلتقى البياتي بالمتنبي في عدة محطات رغم تباعد الفترة الزمنية بينهما. حيث قال المتنبي :

لابقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لابجدودي.

وهو القائل أيضا:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي.
وأسمعت كلماتي من به صممُ.

أنام ملء جفوني عن شواردها.
ويصخب الخلق جراها ويختصمُ.

وهو القائل أيضا:

وما الدهر إلا من رواة قلائدي.
إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا.

ومن حق البياتي أن يصف نفسه بـ(أنه كائن يشعل النار في أصفاده ويرفض السجون التي تزج الأحرار في كل بقعة من هذه الأرض، وإنه لايبوح بسره إلا للأمطار المحملة بالخصب والنماء والخير وحين يتوقف قلبه عن النبض يبقى شعره يتردد على شفاه الملايين من البشر الذين يتطلعون إلى عالم نقي تسود فيه الحرية والكرامة لكل إنسان. وصدقت نبوءة الشاعرالبياتي حين قال في قصيدته(الشاعر) :

أشعل في أصفاده النارْ.
وقال لسجون الأرض أن تنهارْ.

باح بسر حبه الفاجع للأمطارْ.
وعندما استشهد في هياكل النورْ.

وفي المعراجْ.
أودع في قصيدة رمادهْ.
صار ضريحا غامضا يزارْ.

وليس من المبالغة في شيء إذا قلنا إن شعر البياتي لايقل أهمية ومستوى وانبهارا وصورا عن شعر المتنبي ، ولو اختلفت أساليبهما وولدا في عصرين متباعدين ولكن كلاهما عاشا ظروفا قاهرة وجابا البلدان والأمصار نتيجة ظلم الحاكمين ، وظهور الحساد والدمى التي باعت نفسها لسلاطين الظلم والمال، وسخرت مواهبها الشعرية لهم لكي يغدقوا عليها من خزينة الدولة. وكان لايروق لهذه الدمى رؤية شعراء لم يلهثوا خلف الدرهم والدينار،ولم يتهافتواعلى موائدهم.وقد مدح المتنبي الأمير سيف الدولة الحمداني لأنه وجد فيه شخصية الفارس الذي يستحق المدح وطلب منه أن لايقف حين ينشد الشعر في حضرته وقبل منه سيف الدولة ذلك. لكن البياتي لم يدخل أبدا في قصر حاكم أو سلطان أو أمير لينشد له وهو القائل :

(الشاعر الحقيقي لايُحتوى ، وإن حاولت الأنظمة احتواءه يجب أن يرفض ، فسياسة احتواء المثقفين ووضعهم في حظائر لعلفهم يشكل علامة خطر ،إذ إنها ستؤدي يوما بعد يوم إلى ضمور وموت الحافز الروحي عند المثقف والكاتب والشاعر. إن الشاعر الحق لاينشد كتابة الشعر فحسب ، بل يبحث أيضا عن وسائل الخلاص للإنسان .. والإحتواء هو نوع من الإرتباط بمرحلة زمنية ، والإرتباط بمرحلة زمنية مثله مثل الرهان ، وأنا لاأحب الرهان ، وكل الذين ارتبطوا بالمراحل سقطوا مع سقوطها .)

وفي كتابه ( ينابيع الشمس ) كتب عن تجربته الشعرية وفلسفته في الحياة وأورد هنا جزءا مما دونه في هذا الكتاب لأنه يكشف الكثير من فلسفته في الحياة ومن تجربته الشعرية :

(لقد طفت في الأزقة طفلاً وكهلاً وأنا أتنصت إلى وعيد الحلاج وهو يساق إلى الصلب, وسمعت المتنبي وهو يتمتم بأبياته راسماً دوائر نارية ومشعلاً الحرائق في كل مكان, والقتلة يطاردونه من حلب إلى شعب بوان ومن الكوفة إلى القاهرة. أتذكره وهو يفضح أول دكتاتور من ورق, كافور (الشمس السوداء ).

وعندما بدأت بقراءة (خريف البطريرك) لجارثيا ماركيز كنت أتذكر المتنبي وكافور وأضحك.. ومازلت أضحك وأسافر وأنا في عقر داري, ومذ كنت طفلاً بدأت هجرتي من حيث السندباد انتهى واكتشفت أن النص الحقيقي ليس هو النص الذي كتب بل هو النص الذي لم يكتب بعد. وعندما انتهي من كتابة قصيدة أحس أنها ليست القصيدة التي أنا بصددها فأبدأ من جديد. وهكذا مرت حياتي بين بدايات جديدة لا حصر لها, وظل النص الحقيقي الذي كنت أريد أن أكتبه لم يكتب بعد, وكل هذا الفضاء المسكون بالرحيل والحركة والصرخات والكلمات والأحزان هو الذي منحني القدرة على أن أجدد نفسي, أن أكون الحاضر والمستقبل.

لقد تداخل الزمن بالزمن والوجه بالوجه والمرآة بالمرآة.. فلو لم أكن أنا لكنت أنا.وكان شأني وأنا أكتب الشعر لا كشأن ذلك الذي يكنز المعرفة, وكنت كلما انتهيت من كتابة قصيدة أشعر بأني سحابة أمطرت كل ما عندها وظلت تنتظر موسماً آخر لكي تستعيد عافيتها فتمطر من جديد, وقد أحسست بمحنة كبيرة عندما نشرت ديوان (أباريق مهشمة) فقد كنت أتجول بين الوهاد والوديان والقمم لكي أبدأ رحلتي من جديد, وكنت أحس أنني لم أستعد توازني بعد هذا الديوان إلا بعد كتابة ديوان (النار والكلمات) الذي كان خاتمة لمرحلة ثانية من حياتي الشعرية, وقد تخلصت فيها مما ترسب في داخلي إلى الأبد, وكان علي أن أبدأ من جديد. وذات يوم وأنا أتجول في أزقة روايات نجيب محفوظ وبالقرب من مسجد سيدنا الحسين أضاءت ذاكرتي بعض صور الطفولة التي كنت أعتقد أنها قد اختفت إلى الأبد, وكان رمز الحلاج والمعري وولدي علي وسواهم قد تداخلت وشكلت ثالوثاً في ذاكرتي, وقبل أن أعود إلى البيت كان الحلاج أو قصيدته تولد في ذهني, وقد شعرت أن ذاكرتي, التي ازدحمت بغبار السنوات كانت تعج بصور ورموز كثيرة كان يطمس بعضها الآخر وكان علي أن أضع الإشارات والعلامات في الذاكرة لكي لا أعيد أو أستعيد ما كتبته.

كنت أقيس المسافة بالكلمات كما كان يفعل ت. س. إليوت عندما كان يقيس الزمن بملاعق الشاي, هكذا كانت حياتي كلها محواً وكتابة وكان مثلي مثل من يقوم بالفتح الروحي لمدينة أو قصيدة وكان عندما يصل إليها يرى أنها ليست هي المدينة أو القصيدة التي يريد كتابتها, وكان يتملكني الحنين أحياناً لكي أعود إلى المدينة أو القصيدة ولكن عندما كنت أعود إليها أرى أنها قد احترقت وتحولت إلى رماد, وكنت كمن يسير في متاهة ذات مائة باب وكان عليه أن يجتاز المائة باب ليخرج من المتاهة ولكنه كان يكتشف أن المتاهة ليس لها منفذ.. لقد كتب على الشاعر أن يعيش في متاهته ذات المائة باب دون نهاية سعيدة, وربما تكون القصيدة وطن الشاعر ولكن عن أي قصيدة أتحدث. الأولى, الثانية, العشرين, المائة..

أم القصيدة التي لم تكتب بعد..؟ لهذا أرى أن الشاعر يعيش بلا وطن, أي أن قصيدته ووطنه الحقيقي لم يحج إليه بعد ولهذا فإنني لم أهاجر طلباً للمتعة أو للسياحة كما يعتقد البعض لقد كنت أواجه الشاشة البيضاء في كل المدن التي زرتها وكنت أتردد على المقاهي ومحطات القطارات والطائرات لكي أنتظر الذي يأتي ولا يأتي, ولكنني بقيت أمارس هذا الفعل الإنساني بإصرار لأنني أعتقد أنه سيأتي ذات يوم لكنني لن أراه, هكذا هو قدر الشاعر ومن هنا جاءت مأساة المتنبي (على قلق كأن الريح تحتي) فالذي قال هذا البيت هو المتنبي الحقيقي الشاعر والإنسان وليس الذي وقف على أبواب الحكام والأمراء فالذي وقف هناك هو حذاء المتنبي لأنه كان يترك حذاءه دائماً هناك ويرحل مع الريح. لقد شعرت بخيبات أمل كثيرة, وكنت أرى أن البؤس الإنساني أو الليل في كل مكان وإن اختلفت أقنعة هذا الليل, وكنت أحس أن العالم يقع في ثنائية خطيرة على حساب الفقراء والمستضعفين وإن ثورات الفقراء يسرقها السياسيون المحترفون, لقد كنت في حوار داخلي وكنت أبحث عن الحقيقة,وكما يقولون فقد كنت أبحث عن المنقذ من الضلال ليس بالنسبة لضلالي فضلال الشاعر مفيد له, لأنه يضعه في أرض خرافية, لا يتاح لكل الناس الوقوف فيها, وقد أثبتت أحداث نهاية القرن العشرين ما كنت أحس به وأتحدث إلى أصدقائي (في سنوات بعيدة) حيث كان البعض منهم يصاب بالدهشة عندما كنت أقول ما أقول وأؤكد هنا أن التمرد قد ولد في داخلي مع صرختي الأولى وأنا في يد القابلة..

أرعبني النور الذي صدم عيني لأول مرة وأنا أخرج من جوف ظلام العصور الطويلة, حيث مشاهد البؤس بؤس الطبيعة والإنسان والحيوان , بؤس التاريخ الذي سحقته مطارق الغزاة. أما عن المنفي, تلك المفردة التي أهينت كثيرا هذه الأيام فأود القول بأنني كنت قد كتبت في قصيدة لي عنوانها (مدارات شرقية على لسان نهر الخابور): (إن المنفى أصبح وطناً), وقلت في قصيدة نشرت في ديوان (مملكة السنبلة), (العالم منفي في داخل منفي والناس رهائن) كان ذلك شعوري منذ أن وعيت هذه الدنيا, ذلك لأن الشرط الإنساني لم يتحقق, وكذلك الأمر بالنسبة للعدالة والديمقراطية, وهكذا أرى شعوب الأرض كلها منفية داخل أوطانها, وهؤلاء المنفيون في أوطانهم يضمهم منفى آخر هو هذا الكون, ومن ثم فإن السفر داخل المنفى الصغير أو الكبير يعتبر نوعاً من الترف والنزهة ليس في حدائق الآلهة, بل في صحاري التعاسة.

لقد أطبق السياسيون المحترفون, والقتلة والطغاة والغزاة على العالم منذ فجر الإنسانية الأولى, ولا يزالون يمارسون لعبتهم, ونحن نعيش تحت وصايتهم, وبنادقهم, ورحمتهم ـ أحياناً ـ المشكوك فيها, ولقد قال الإمام علي (إن أشد أنواع النفي هو أن تكون منفياً في عقر دارك, أو وطنك وأنت فقير.) وكان ذلك أول سهم أشار إلى النفي في أدبنا العربي, بالرغم من منفى طرفة بن العبد الذي سبقه, وهو منفى القبيلة أو الطائفة.

إن وحدانية الإنسان في هذا العالم, وتركه معرضاً للشقاء الأبدي دون أن يختار اسمه, أو لونه, أو جنسيته, ذلك هو ألف باء النفي, فما بالك بياء النفي ؟!

لقد رأيت الصورة الكلية للشقاء الإنساني بعد أن كنت لا أرى إلا الجزء الصغير من هذا الشقاء, كما أنني نعمت ببعض السعادة الهاربة, وببعض الحب والفهم, وكنت أعود ويدي مبللة بالمطر أو بحفنة ثلج, أو بزهرة قطفتها من أحد جبال العالم, أو بصورة امرأة أحببتها, أو قصيدة كتبتها.. السفر أو الغربة أو المنفى عمق إحساسي بشقاء البشر وعذاباتهم وطموحاتهم, وسعادتهم المسروقة كما أنني اكتشفت جوهرة الأمل الإنساني مهما سحق وهزم وحطم فإنه يعود أقوى مما كان, وعليه فإنني لست مع رأي الشاعر العربي القديم الذي شبه الإنسان بالزجاج الذي يكسر ولا يعاد سبكه, فالإنسان ـ وهو يتقدم نحو حتفه ـ يضيف إلى عملية التجدد طاقة إنسانية جديدة, ويتحول إلى سماد إنساني في بستان المستقبل.

لقد أحسست بالنفي قبل النفي نفسه, أي أنني أحسست بأنني منفي منذ طفولتي, سواء في القرية أم في المدينة واكتشفت أن العالم ما هو إلا منفى داخل منفى آخر, ولهذا عندما وجدت نفسي أمام النفي الحقيقي شعرت كأنما كنت أصعد درجاً معروفاً لي من قبل, أو كأنما كنت أنتقل من أرض إلى أخرى في الذاكرة, كنت أحمل المنفى في داخلي, فعندما يولد الإنسان ويعيش في ظروف استلاب اجتماعي وثقافي وسياسي.. إلخ يحس كأنه طائر أو كأنه سحاب في الظاهر, لأن هذين الكائنين يحصل كل منهما على حريته بالرحيل, ولعلي بسبب ذلك أحسست بأني أكثر حرية عندما جربت النفي في البداية, ولكني بعد ذلك وجدت نفسي محاطاً بصعوبات متراكبة وتزايدت أغلالي ولكن مع بعض اختلاف, ذلك أن مشاكل البلد الذي كنت منفياً فيه لم تكن مشاكلي, وهذا الإحساس أعطى بالطبع بعداً جديداً لتجربتي الإنسانية والشعرية .وهنا أيضاً أود القول إن النفي الأرضي الذي عانيت منه حدث على النحو التالي: منذ طفولتي كنت أنتسب إلى أسرة متدينة, وقد أدى هذا إلى حدوث تناقض قوي بين المثالي والواقعي, بعد ذلك أحسست بتأثير الذاكرة الجماعية وبهذا وصلت إلى الإحساس بالبعد الخامس بوحدة الزمن, الماضي والحاضر والمستقبل, ومن ثم وجدتني أواجه الواقع بواقعية تعرف في أدب أمريكا اللاتينية باسم (الواقعية السحرية) ولولا هذا الإحساس لكان قد قضى علي بالموت في المنفى, وأنا أعتقد أن أحد أسباب ظهور هذا الاتجاه في أدب أمريكا اللاتينية هو أنه يمنح الفنانين والقراء أيضاً سلاحاً خاصاً حتى يتحملوا الحياة, وحتى يواجهوها بشجاعة وبثقة وإحباط في آن واحد بأسلحة مثالية وواقعية في وقت واحد, بالواقع وبالحلم, بالصورة وبالظل, وبذلك يكون الإحساس بالنفي الميتافيزيقي قد تكامل مع النفي الواقعي, أي أنهما لم يكونا منفصلين. يقول كارل ماركس: ( إذا كانت المادية هي نصف الفلسفة فإن المثالية هي نصفها الآخر, وهكذا صارت لي شخصية مهجنة, وبالتالي أكثر واقعية وعمقاً.) وهذا منحنى القوة المطلوبة, كنت أضع نفسي في الخطر ولكن بوعي, دون أن أساوم الواقع, وكنت أقبل الهزيمة وانتصار القدر, ولكني كنت أظل محتفظاً بكرامتي, وأكره الانتصار السهل, وقد عثرت على جدلية الوسائل والغايات وهذا هو ما ينقص بعض السياسيين لأنهم يريدون أن يصلوا إلى الغاية, أما الفنان فتهمه أيضاً الوسائل وبهذا فإن تجربة النفي علمتني الكثير, وبهذا أيضاً دخلت عوالم أناس قليلي العدد هم الخارجون على آلية النظام الحياتي, أريد أن أقول: كنت أحس كأني قطرة من المطر ولكني كنت داخلاً في العاصفة وفيما بعد العاصفة.

أحياناً يلمح الشاعر ويشير, إذا اقتضى مقتضى الحال, وبصورة أدق فإن الشاعر ليس فيلسوفاً مهمته الوصول إلى النواة الكهربية التي تمنح هذا الكون قوته, فهو الشاعر يستخدم هذه القوة أو النواة الكهربية من دون أن يبوح بسرها, مثله مثل الساحر الذي يخرج الكلمات أكمامه من دون أن يقول لنا كيف, ولماذا. ولكننا أحياناً, ونحن نراقب حركاته نكتشف بعض أسرار سحره.

هناك تفسير جانبي قدمته مثلاً ذات مرة عندما سألني مستمع السؤال نفسه فقلت له: إنك لو قرأت قصيدة (بستان عائشة) لاكتشفت مثلاً أن بستان عائشة يقع بين (مدائن صالح) وأعالي الفرات حتى نهر الخابور, واكتشفت أن هذه الأرض التي تسمى بالهلال الخصيب هي وطن عائشة, وهي المنطقة التي كانت حاضنة للاختمار الروحي للعرب قبل ظهور الإسلام, وأن العرب في اندفاعهم لأعالي الفرات قد حجوا إلى الخابور ليكتشفوا بستان عائشة الذي كان أيضاً مدينة مسحورة.

كان عرب الشمال هؤلاء يحجون إلى هذا النهر أو إلى هذه المدينة المسحورة كل عام في فصل الربيع فيقدمون الأضاحي والقرابين ـ للنهر ـ لكي تفتح لهم أبواب المدينة المسحورة دون جدوى, وكانوا يدورون, ويدورون بحثاً عن بواباتها, وينتظرون دون جدوى, فيعودون إلى حلب ليبكوا وينتظروا ألف عام لكي يحجوا إلى مدينتهم المسحورة.

هذه هي ملامح سحر مكان عائشة ووطنها, أما ملامح الأنوثة التي تقترب من ملامح الأنثى التي نصفها صبية ونصفها امرأة لأنها في منتصف ربيعها, فقد مر ذكر كثير لملامحها الأرضية, كما هي في الواقع, أي صورة واقعية لها تقترب من صورتها الواقعية وتبتعد عنها في هالات النور المنبعثة من أزمنة مختلفة, لأن وجهها في المرآة ليس وجها واحداً, فالموت وحده هو الذي يعطي الوجه حقيقته في المرآة.

أما بالنسبة للشعر فلست أريد أن أضع تعريفاً له ولست أهدف إلى تحديد مكان له في العالم ولا من عصرنا وإنما الشيء الذي أريده هو تحديد مكانه من نفسي فحينما بدأت أعالج الكلمة محاولاً بها أن أعبر عن انفعالي بالعالم لم يكن الشعر هو أول ما حاولته من أشكال الكتابة ولكن شيئاً ما كان يلح في طلب التعبير عنه, شيئا كان يجول في نفسي, كنت قادماً من الريف حيث عشت فيه وعدت إليه حتى عام 1947 وهو عام دخولي دار المعلمين العليا وكانت الصدمة الأولى حين اكتشفت حقيقة المدينة, كانت مدينة مزيفة قامت بالصدفة وفرضت علينا وكما كانت المدينة شبيهة بالمهرج. كان جيلنا المتسول الذي استعار ثياباً وأزياء من كل عصر حتى فقد شخصيته وصوته الحقيقي.

في هذه الفترة وقبلها بقليل كنت كمن يبحث عن الشكل الملائم للتعبير عن نفسه واكتشفت أن التعبير الشعري أقرب إليّ من أي شكل آخر ولم يكن غير الشعر قادراً على إشباع رغبتي في التعبير بالكلمة وإني وإن كنت لا أؤمن بإمكان ولادة الشاعر وفي يده القيثارة, وإنما يمكن أن يولد في قلب ذلك الإنسان الذي لا يتم التوافق بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي. إن التناقض الذي يمكن أن يقوم حينئذ يولد عدداً من الأحاسيس غير المصنوعة وغير القابلة للتغير. وفي اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان تناقضه مع العالم الخارجي يبدأ في التمرد عليه.

ومثلما يبحث النهر الدفين عن المكان المناسب الذي يمكن أن ينبع منه يبدأ الشاعر الموعود في محاولة اكتشاف نفسه. إن المهم هنا إنما هو نقطة البداية.

إن البدء في محاولة فهم العالم ومحاولة تفسيره ودفعه إلى خارج نطاق النصائح والتعاليم والتربية, ومحاولة التمرد عليها ومناقشتها وخلق نوع من الحوار الصامت حولها, كل هذا يلعب دوراً في صنع عالم الشاعر القادم.

ثم بدأ تعاملي مع الكتب والقراءة كمسافر في قطار لا يعرف المدينة التي سيهبط فيها. لقد كان التاريخ هو النوع الذي أحبه من القراءة, ولم أقرأه كركام من الوقائع أو الأحداث, وإنما كتجربة إنسانية واسعة ومتعددة الجنبات, وكتجسيد لقضايا الإنسان التي طرحت على كل المجتمعات الإنسانية الماضية, كذلك كانت الآثار واللقى التي ذابت صورها في نفسي, البقية الباقية على سطح الكوكب من كل هذه التجارب التي خاضها الإنسان واختفى كما تختفي أشباح الليل.

وكانت زياراتي لاتنقطع لأضرحة أولياء الله ، والطواف حولها يمنحني العزاء والأمل والقدرة على المضي في سفري ، حاملا معي عدة المسافر والشاعر والشحاذ الباحث عن الله والمستقبل والمطر والحب . لقد طاردني اللصوص والأغنياء في كل مكان كما تطارد كلاب الصيد عاشقا أو متسولا . وكنت أردد أغنية (جني الثمار ) لطاغور في رحلاتي المتعبة:

واأسفاه لن أطيق المكوث في الدار.
فالمسكن لم يعد مسكني بعد الآن.

إن الغريب الأبدي يناديني.
وهو سائر في مدى الدرب.

إن خفق خطاه يقرع صدري ويؤلمني.
الريح تهب ، والبحر يئن.

سأترك مشاغلي ووساوسي كلها.
لألحق بذلك الموج التائه.

فإن الغريب يناديني.
وهو يسعى في مدى الدرب .

حينما كنت أقف أمام كوب قديم أو قطعة عملة أثرية أو تصوير باهت الألوان, كان يجتاحني إحساس من انعدام الصلة بالعالم الخارجي, وأروح أفتش عن هذه الآثار في نفسي, ماذا بقي فيها لدي ؟. كل هذه الأشياء القديمة تركها أصحابها ومضوا كانت هي الصورة الحية لعمق الزمن, والشيء الوحيد الباقي من حياة الناس الذين عاشوا في زمن ما. إن الفن وحده عصارة تجربة الإنسان هو ما يتركه الناس بعد حياتهم, لقد كان البحث عن الشكل الشعري الذي لم أجده في شعرنا القديم, وكان التمرد الميتافيزيقي على الواقع, دون وضع بديل له, والأشواق التي لا حصر لها, والتطلع إلى عالم تسقط فيه كل الأسوار بعيداً عن الشعارات التي استهلكت, كان هذا البحث هو ما أدى إلى اكتشاف الواقع المزري الذي تعيشه الجماهير وإلى اكتشاف بؤسها المفزع. وهنا كان لابد من ضمور الباعث الميتافيزيقي في نفسي ونمو الواقع الاجتماعي والسياسي, وكان هذا النمو انعكاساً وتفاعلاً مع ما حدث في المجتمع العربي ذاته من تحول إلى الثورة الإيجابية نفسها, كنت أشعر في ذلك الوقت بأنني أكتب مدافعاً عن الحرية والعدالة للجماهير البائسة لا لنفسي كنت أفهم الالتزام على أن الفنان مطالب في أعماق أعماقه أن يحترق مع الآخرين عندما يراهم يحترقون, أما الوقوف على الضفة الأخرى والاستغراق في الصلاة الكهنوتية فليس هذا من صفات الفنان الحقيقي في أي عصر من العصور.)

ورغم كثرة أسفاره في المنافي ظلت بغداد هاجسه الأول والأخير حيث يقول لها :

مهما طال حوار الأبعاد.
فستبقى بغداد.

شمسا تتوهج.
نبعا يتجدد.

نارا أزليه.
رؤيا كونيه.
لطفولة شاعر .

وفي قصيدة أخرى بعنوان بغداد يخاطبها قائلا :

الليل في عينيك مستيقظٌ.
وأنت في مهد الهوى غافيهْ.

زوارق الأحلام في سجوه.
سكرى ترود الضفة الساجيه.ْ

والبلبل الليلي في شدوه.
أيقظ حتى الدوحة الذاويهْ.

بغداد في حبك أهل الهوى.
ماتوا وأنت الطفلة الباقيهْ.

ولم ينس البياتي في منافيه منطقته باب الشيخ التي احتضنته وعاش فيها أجمل أيام طفولته مع تلك الحارات الشعبية وتكبيرات المآذن فيها:حيث يقول في قصيدته (باب الشيخ ):

حب من باب الشيخ ورائي.
يمتد كخيط مسحور.

أمسكه فأرى بيتا يغرق بالنور.
أتطلع نحو الباب المغلق.

في عيني طفل مبهور.
أتوقف عند السور.

أصرخ لكن الخيط المسحور.
يصبح جرحا في قلبي.
ورماد وبخور.

لقد كتب البياتي عن المرأة وعن الفقراء وعن اللاجئين الفلسطينيين وعن الغربة والنفي والحكام الطغاة الذين يسفكون دماء شعوبهم ويسرقون الضوء من عيون الأطفال ويحولون الحقول الزاهية إلى سجون مظلمة وأسلحة تفتك بالفقراء الذين يطالبون بالحرية والكرامة :

مولاي ! أمثالي من البسطاء لايتمردون.
لأنهم لايعلمون.

بأن أمثالي لهم حق الحياة.
وحق تقرير المصير.

وإن في أطراف كوكبنا الحزين.
تسيل أنهار الدماء.

من أجل إنسان الغد الآتي السعيد.
من أجلنا مولاي أنهار الدماء.
تسيل من أطراف كوكبنا الحزين.

وعن الوطن المضمخ بالأحزان وبدماء الشهداء منذ استشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين على ثرى كربلاء يقول البياتي :

من قبل ألف سنة يرتفع البكاء.
حزنا على شهيد كربلاء.

ولم يزل على الفرات دمه المراق.
يصبغ وجه الماء والنخيل في المساء.

آه جناحي كسرته الريح.
من قعر نهر الموت يامليكتي أصيح.

من ظلمة الضريح.
أمد للنهر يدي فتمسك السراب.

يدي على التراب.
ياعالما يحكمه الذئاب.

ليس لنا فيه سوى حق عبور هذه الجسور.
نأتي ونمضي حاملين الفقر للقبور.

ياصرخات النور.
هاأنذا محاصر مهجور.

هاأنذا أموت .
في ظلمة التابوت .

يأكل لحمي ثعلب المقابر.
تطعنني الخناجر.
من بلد لبلد مهاجر.

عبد الوهاب البياتي وثورة الجزائر:

كتب أربعة قصائد عن الثورة الجزائرية ، وكانت الحصيلة 255 قصيدة قالها 107 شاعر وشاعرة من العراق من عشرين مدينة وقرية عراقية. طبعت في بغداد والجزائر في مجلدين تحت عنوان (الثورة الجزائرية في الشعر العراقي).

في قصيدته الأولى (الموت في الظهيرة ) رثى فيها البياتي أحد قادة الثورة الكبار وهو (العربي بن المهيدي) الذي أسر واغتيل في السجن. يقول البياتي في قصيدته:

قمر أسود في نافذة السجن ، وليلٌ.
وحمامات وقرانٌ وطفلُ.

أخضر العينين يتلو.
سورة النصرِ، وفُلٌّ.

من حقول النور ، من أفق جديدِ.
قطفته يد قديس شهيدِ.

يد قديس وثائرْ.
ولدته في ليالي بعثها شمسُ الجزائرْ.

ويختم قصيدته بمقطع يشير فيه إلى ان العربي بن المهيدي عذب فسلخوا جلدة رأسه وهو حي لكنه لم ينبس بكلمة واحدة، يقول الشاعر:

كان في نافذة السجن مع العصفور يعلمْ.
كان مثلي يتألمْ.

كان سرا مغلقا لا يتكلمْ.
كان يعلمْ .

أنه لا بد هالكْ.
وستبقى بعده الشمس هنالكْ.

في ليالي بعثها ، شمسُ الجزائرْ.
تلد الثائر في أعقاب ثائرْ.

وفي قصيدة أخرى عنوانها (المسيح الذي أعيد صلبه) يتناول فيها استشهاد فتاة جزائرية ، ويهديها إلى المجاهدة الكبيرة جميلة بوحيرد ويعبر فيها عن عجز الشعراء مهما قالوا عن إيفاء حق ثوار الجزائر، يقول:

كل ما قالوه كِذْبٌ وهُراءْ.
اللصوص الشعراءْ.

الحُواةُ الأغبياءْ.
إنني أحسست بالعار لدى كل قصيدهْ.

نظموها فيكِ يا أختي الشهيدهْ.
أنا ثائرْ.

كل ما أملكه يا إخوتي حبي إليكمْ بندقيهْ.
إن جميلا كاملاً.

مات نهار اليومِ.
يا أختي الصبيهْ.

يا جميلهْز!
إن ثلجا أسودًا.

يغمر بستان الطفولهْ.
إن برقا أحمرًا.

يحرق صُلبانَ البطولهْ.
إن حرفا ماردًا.

يولد في أرض الجزائرْ.
يولد الليلةَ لم تظفرْ به ريشةُ شاعرْ.

شهادات أخرى بحق البياتي:

(عبد الوهاب البياتي شاعر عالمي يكتب بالعربية ويستحق جائزة نوبل) الناقد رجاء النقاش.

(بين البياتي وأبن عربي لقاء بين عالمين يختلف أحدهما عن الآخر إختلافا جوهريا . وبين رؤيتين مغايرتين للعالم والوجود ،لكن البياتي إستطاع أن يحقق المصالحة بين العالمين وبين الرؤيتين بمقدرة على الإلتقاء والإستيعاب ، وعلى التمثل والخلق من جديد . )

الناقده ريتا عوض.

(ن المرء إذا مضى في قراءة شعر البياتي إستقر لديه شبه يقين بأن الطواف ديدنه والترحال قدره والمنفى مصيره فهو مسافر بلا حقائب . وما جدوى الحقائب يحملها المسافر ولما يدرك سبب رحلته ولا وجهتها إن سيرة البياتي الشعرية تبدو لقارئها كالوصية يرسلها شاعر قاده حدسه في حياته كلها ولكن هذه السيرة لاتقوم نشازا في مسار الشاعر ولا تضع نقطة النهاية لحياة كانت زاخرة بالأمل في قيام الغد الفتي وأحب الحياة.)

الدكتور محمد قوبعه.

(لقد جمعت قصائد البياتي تعبيرات ثقافية مختلفة ، وتيارات شعرية متباينة ، وأزمنة أدبية متعاندة عاشت كلها داخل هذه القصائد ، في كنف العافية لكأن قصيدة البياتي إختزال لتأريخ الشعر ، واختزال لتأريخ الروح . )

الناقد محمد الغزي .

( من خلال دواوينه اللامعة النار والكلمات –سفر الفقر والثوره – المجد للأطفال والزيتون – الذي يأتي ولا يأتي –أشعار في المنفى – والموت في الحياة صار عبد الوهاب البياتي في سنوات قليلة نسبيا إسما شعريا ساطعا لايمكن إغفاله حين يكتب عن الحركة الشعرية العربية الحديثة . )

القاص فؤاد التكرلي.

وكتب الناقد الكبيرالدكتور إحسان عباس دراسة معمقة عن شعر البياتي بعنوان (عبد الوهاب البياتي والشعر الحديث) وقال في كلمات منها : (ديوان أباريق مهشمة للشاعر عبد الوهاب البياتي بداية الحداثة والتجديد في الشعر العربي المعاصر. )

بقي أن أن أقول أخيرا إن عالم البياتي الشعري أكبر بكثير من هذه المتابعة المتواضعة ولا يهمني إنتماء الشاعر السياسي بقدر مايهمني شعره فقط وحين قررت الكتابة عنه لايعني إنني معه في معاركه الأدبية والشخصية فلكل حصان كبوة ولكل سيف نبوة . ولكن يمكنني أن أقول أخيرا إن الشاعر البياتي ترك لنا إرثا شعريا متوهجا سيبقى ذخيرة للأجيال الأدبية ولو كان حيا بيننا وشهد الإحتلال الأمريكي للعراق والمآسي التي حلت بالشعب العراقي وعدوان الطغاة على الشعوب والغزو البربري الداعشي، وتدمير الإرهابيين لسوريا التي أحبها وما آرتكبه البرابرة من جرائم كبرى بحق الإنسان فيها لأضفى إلى رصيده الشعري شعرا متوهجا إضافيا عن هذه الظواهر المؤلمة التي ألمت بالعراق والوطن العربي .غادر الشاعر الحياة في دمشق عن عمر ثلاثة وسبعين عاما وكانت وفاته في الثالث من آب عام 1999 حيث نعته إذاعة دمشق في نهاية النشرة الإخبارية. وأوصى أن يدفن قرب ضريح محي الدين بن عربي على جبل قاسيون.

إن الشاعر البياتي رحمه الله في النتيجة هو إنسان خطاء ينتمي إلى آدم وبنيه وربما إرتكب أخطاء بحق شعراء آخرين وتهجم عليهم دون وجه حق وليس من واجبي كمتابع للثقافة أن أتصيد أخطاءه وهفواته وأنبش وأستخرج عظامه وأحاكمها ولو سلكت هذا الطريق كغيري لكشفت العجب العجاب في سيرة الكثيرمن الشعراء.

وحين قررت الكتابة عن البياتي الذي لم تربطني به أية رابطة ولم ألتق به يوما لكني قرأت دواوينه فقررت أن أكتب عنها كما كتبت سابقا عن نزار قباني وأمل دنقل وعلي الشرقي. ولي رغبة جامحة للكتابة عن بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري ونجيب سرور ومحمود درويش وسميح القاسم وأحمد عبد المعطي حجازي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وإبراهيم ناجي وسليمان العيسى وخليل حاوي وإليا أبو ماضي وشوقي بغدادي والفريد سمعان وحسب الشيخ جعفر وغيرهم من عمالقة الشعر في الوطن العربي .لكن التقدم في العمر وتردي الصحة يقفان حائلا ضد هذه الرغبة.وسأبقى نقي الضمير والوجدان مادمت أسعى إلى الحقيقة والحقيقة فقط.

مصادرالبحث :

  1. كتاب ينابيع الشمس للشاعر دون فيه سيرته الشعرية.
  2. ديوان سفر الفقر والثوره للشاعر.
  3. ديوان الذي يأتي ولا يأتي للشاعر.
  4. عبد الوهاب البياتي والشعرالحديث للدكتور إحسان عباس.
  5. مقال(إشكالية عبد الوهاب البياتي عند الأدباء ) للدكتور حيدر طالب الأحمر.
  6. عبد الوهاب البياتي (مختارات ومقدمة ) للدكتور محمد قوبعه.
  7. البياتي غادر العراق بحثا عن الشهره لفؤاد التكرلي –الشرق الأوسط 25-9-2003
  8. مقابلة للشاعر عبد الوهاب البياتي أجراها إبراهيم الزبيدي قبل وفاة الشاعر بفترة وجيزة.
  9. كتاب (الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ).

دواوين الشاعر الراحل :

  • ديوان ملائكة وشياطين1950م.
  • أباريق مهشمة1955م.
  • المجد للأطفال والزيتون1956م
  • رسالة إلى ناظم حكمت1956م.
  • أشعار في المنفى1957م.
  • عشرون قصيدة من برلين1959م.
  • كلمات لا تموت1960م.
  • طريق الحرية (بالروسية) 1962م.
  • سفر الفقر والثورة.
  • النار والكلمات1964.
  • الذي يأتي ولا يأتي1966م.
  • الموت في الحياة1968م.
  • تجربتي الشعرية1968م.
  • عيون الكلاب الميتة1969م.
  • بكائية إلى شمس حزيران والمرتزقة1969م.
  • الكتابة على الطين1970م.
  • يوميات سياسي محترف1970م.
  • وقد صدر له ديوان عبد الوهاب البياتي الذي ضم دواوينه المذكورة في 3 أجزاء نشْر دار العودة ببيروت1972
  • قصائد حب على بوابات العالم السبع 1971م
  • سيرة ذاتية لسارق النار 1974م
  • كتاب البحر 1975م
  • قمر شيراز 1975م
  • صوت السنوات الضوئية 1979م
  • بستان عائشه 1989م.
  • كتاب المراثي 1995م
  • الحريق 1996م
  • خمسون قصيدة حب 1997م
  • البحر بعيد أسمعه يتنهد 1998م.


كتبه: جعفر المهاجر