محمود زيات | فور اسقاط الطائرة من دون طيار التي نجحت في التوغل بتحليقها حتى بلغت اجواء صفد، سارع الاسرائيليون الى الاعلان انها ايرانية يشغلها «حزب الله» وانطلقت من الاراضي السورية، وفي سرهم ان الطائرة حلقت بعلم من غرفة عمليات القوات الروسية، وكأنهم رسموا خارطة للمحور المزعج الذي صنع لهم الخيبة من نتائج حرب السنوات الست في سوريا، من دون ان ينسوا تمشيط خط الحدود من آثار اي عملية تسلل متوقعة الى داخل الجليل الفلسطيني المحتل.

هل بدأ «حزب الله» بِجَرِّ الاسرائيليين الى معادلة جديدة، مسرحها جبهة واحدة تمتد من جنوب لبنان الى الجولان السوري، بشطريه المحرر والمحتل؟، في وقت ما زال القادة السياسيون والعسكريون في الكيان الاسرائيلي، لم «يهضموا» بعد نتائج حرب السنوات الست على سوريا، ومرارتهم من اخفاقهم في المراهنات التي وضعوها، بعدما ارتسم مشهدها الذي يُدلل على هوية المنتصر فيها، يقرأ بعض الاوساط المتابعة، ما جرى بالامس فوق اجواء الجولان، بانه سيكون محط دراسة مستفيضة للعقول العسكرية والامنية الصهيونية، التي لم تخرج بعد من صدمة انتصارات «حزب الله» المتلاحقة في سوريا، وهي انتصار لا يقرأها الاسرائيليون الا انتصارا للمحور السوري ـ الايراني الذي يخيم عليه مظلة روسية، نجحت الى حد بعيد من حماية سوريا من كل الاستهدافات، لكن اخطر ما يمكن ان يقرأونه، ان حزب الله نجح في المسار العام الذي يسلكه في الحرب، انه وسَّع من دائرة جبهته، ليحظى بمدى جغرافي متواصل ما بين جنوب لبنان والجولان السوري، وهو ما يجد فيه الاسرائيليون تعقيدا عسكريا جديدا، يرمي بثقله على الجمهور الاسرائيلي، من شأنه ان يطيح بكل الخطط التي اُعِدَّت لمواجهة حزب الله في الحرب المقبلة.

«خطة نصرالله».. في الحرب المقبلة

وما هو مثير للسخرية، وفق المتابعين، ان كبار جنرالات الحرب الاسرائيليين ما زالوا «يحصون» في «عداداتهم»، عدد الصواريخ التي يمتلكها «حزب الله»، فيما الجمهور الاسرائيلي لم يعد يؤمن باي قوة ردع قادرة على حجب تساقط الصواريخ على مستوطناتهم، رغم التسويق الاسرائيلي بان المعركة المقبلة مع لبنان ستكون أقصر، وأن بنكًا يحتوي على عشرات آلاف الأهداف.. يستطيع سلاح الجو تدميرها خلال فترة زمنية أقصر!، ولم تعد حسابات ما قبل المعركة عند الاسرائيليين مطابقة لواقع الارض عند اندلاعها، فالساعات الاُوَل للحرب لا يمكن لاحد ان يتوقع طبيعتها، بالرغم من ان التقديرات الامنية الصهيونية عن الحرب المقبلة، تحدثت عن حرب لم يسبق ان شهدت جبهتهم الداخلية مثيلا لها، حرب تبدأ باخلاء واسع للمستوطنين ..وقد لا تنتهي بـ«غزو» صاروخي للعمق الحيوي الاسرائيلي، ولان القلق الاسرائيلي من التطورات الجارية على جبهتي الجولان السوري وجنوب لبنان، يعجز عن تقديم تقييم موضوعي حول قدرات «حزب الله» العسكرية، فان الاعتقاد الاسرائيلي السائد يتحدث عن ان الحرب المقبلة لن تكون جبهتها مقتصرة على جنوب لبنان، وما يُشغل الاسرائيليين ان يكون حزب الله قد وصل الى وضع، يسمح لمقاتليه بتنفيذ خط امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله .. بالسيطرة على الجليل و الاستحكام داخل مستوطناته، عبر محورين متلاصقين في جنوب لبنان وفي الجولان السوري.

يبقى عند الاسرائيليين، ان «الماروميتر» الحقيقي الذي يستشعر مدى تنامي قدرات «حزب الله»، بالرغم من سعي بعض من في الداخل اللبناني الى اغفاله، وبعد احد عشر عاما على الهزيمة المدوية لهم في الحرب على لبنان، ان التطور الكمي او النوعي للقدرات القتالية والعسكرية، وبخاصة الصاروخية، فضلا عن التجارب العسكرية الغنية التي اكتسبها مقاتلو «حزب الله» في الميادين السورية، قد يسخرها الحزب في اي حرب مقبلة، في جبهة ستكون مساحتها اوسع من تلك التي كانت ارتسمت خلال حرب تموز، والكذبة التي اطلقها الاسرائيليون لتبرير «الهدوء» الذي يعم «جبهتهم الشمالية» المحاذية لجنوب لبنان بما فيها مزارع شبعا التي يُدرك جنرالات الاحتلال بانها تحولت الى ساحة لهو لمقاتلي «حزب الله»، من ان «الردع» الاسرائيلي هو من يفرض هذا الهدوء، باتت بنظر المجتمع الصهيوني ساقطة ومن دون معنى، فيما الحقيقة في مكان آخر، بدأت في القلمون وحلب، وفي الجرود الشرقية لعرسال وبادية تدمر وحميمة ودير الزور، حتى وصلت الى تخوم الجولان السوري المحتل، وهي جبهة تشكل مدى حيويا للحزب، سيما وانها تتكامل جغرافيا ولوجستيا مع جنوب لبنان، الامر الذي يشكل عامل قلق لدى قادة الاحتلال، لشعورهم ان هامش المناورة في اي حرب مقبلة اصبح واسع واسعا وحيويا امام الماكينة العسكرية والقتالية والصاروخية لـ «حزب الله».

«حزب الله» بعد حرب سوريا.. غير «حزب الله» قبل عدوان تموز

التحدي الامني والعسكري الذي يمثله «حزب الله» ان «حزب الله» بعد انتصاراته في سوريا، هو غيره ما قبل عدوان تموز 2006، هو ممسك اليوم بالكثير من المفاجآت، يعرف، يرصد، يواكب، يتابع كل حركة عسكرية او امنية يقومون بها، لم يعد بامكانهم تجاهله، فيما تبقى طبيعة قدراته العسكرية والقتالية مجهولة لديهم، يتبصرون عنها لدى منجمي القرار الدولي و«بصارات» «الاصدقاء العرب الجدد»، لكن المؤكد ان الاسرائيليين على معرفة ببعض عناصر القوة لدى الحزب، تعرفوا على بعضها حين تعمَّد «حزب الله» ايصالها الى من يهمه الامر، اكان في الداخل ام على جبهتي الجنوب والجولان، ليتعاظم حجم الارباك والقلق، في حال استهدافه، ومن متابعاتهم الحثيثة لسير المعارك في خاضها الحزب في بيئات جغرافية متعددة وتضاريس صعبة، يرى فيها الاسرائيليون انها اصعب بكثير، من جغرافية الجليل الفلسطيني الذي يشكل بوابة الحرب المقبلة.

وحزب الله الخارج من انجازات عسكرية كبرى لم يكن يتوقعها احد، في معسكري الحلفاء والاعداء، لم يُوقِف حربه الخفية مع الاسرائيليين الغارقين في هواجسهم الامنية والعسكرية على الجبهة الشمالية ( المتاخمة مع جنوب لبنان والجولان السوري)، بعد تنامي القدرات العسكرية لـ «حزب الله»، وبعد جولات لمقاتليه مستمرة منذ خمس سنوات، على طول الجبهات السورية وعرضها، فيما هو يتلقى رسائل «الردع» الاسرائيلية التي ارسلتها مناورة الـ 40 الف جندي، مع جمهور واسع من المستوطنات اصبح رعبه يتزايد، مناورة وُصِفت بـ «غير المسبوقة»، لمحاكاة حرب مع «حزب الله»، اعلنت فيها اسرائيل انها انتصرت (!) فيها على «حزب الله»، وسط تشكيك اسرائيلي بكل المعارك التي تخوضها اسرائيل ضد لبنان، حتى غدا لسان حالهم يردد .. ان حسابات المناورة لا تنطبق على حسابات الميدان الحقيقي الذي بدا فيه «حزب الله» نجما يُمسك بزمام المبادرة.

منذ انتهت الحرب في تموز العام 2006، والاسرائيليون لا ينظرون الى حزب الله الا مدربا ومستعدا اكثر مما مضى، ويملك الكثير من المفاجآت في الحرب المقبلة، لهذا فهم يُكثِرون من تدريبات التوغل البري، لاعتقادهم ان الطرف الذي يتمكن من الدخول في مناطق الآخر، في الحرب المقبلة، سيكون هو المسيطر على مسار الحرب، لكن «مفاجأت» حزب الله تبقى مجهولة المعالم العسكرية، وما هو جلي لدى الاسرائيليين، أن الجيش الإسرائيلي سيواجه في المواجهة المقبلة عدوًّا جديدًا، بعد خمس سنوات من القتال في سوريا، وانتصاره في كسر الارهاب في الجرود اللبنانية.. لا يُشغل بال جنرالات الحرب الاسرائيليين، اكثر من العبارة ـ المعادلة، التي سمعوها من امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله ، حين خاطب مقاتلي المقاومة، وقبل اسبوع من اندلاع الاحداث في سوريا، بالقول.. «كونوا مستعدين ليوم اذا فرضت فيه الحرب على لبنان ان تطلب منكم قيادة المقاومة تحرير الجليل في شمال فلسطين المحتلة»،.. لتتحول تلك العبارة ـ الصدمة، التي تترجم الواقع الفعلي للمعادلة الجديدة التي يرسمها «حزب الله» للمرحلة الجديدة مع الاحتلال، الى خوف استراتيجي على المصير الاسرائيلي


كتبه: صحيفة الديار