سبعُ سنواتٍ , كان ولازال التضليل والخداع سيد الموقف ، تعددت الأدوات والبدائل , وتراكمت الإنتصارات والهزائم .. فلم تعد الأيام الأولى للحرب تشبه أيامنا الآن ، مئات الوجوه والساسة رحلوا وتدحرج سلم الأولويات الدولية والإقليمية ، وتصدّرها قتال “داعش”, و تبعه قتال “النصرة” , بعد أن فقدت شهوات ودعوات رحيل الأسد واقعيتها وقيمتها بنكهتها وتوابلها, فغابت ملفات وظهرت أخرى ، تعدّلت الخطط والأساليب والآليات، وحافظ البيت الأبيض على وجهه الأسود , عدوانٌ مباشر وقواعدُ غير شرعية وعملاءَ يحاربون عنها.

انعطفت تركيا وصمتت السعودية وقطر، وبحثٌ الأردن فجأة ً عن الجار والشقيق بالمجان , فيما وجدت تركيا ضالة كيري المعتدلة المسلحة وتعهدتها، وبالإجماع انعطف العالم نحو السلام ومحاربة “داعش” و”النصرة” ووقف الأعمال القتالية في سورية , ثلاث مناطق لتخفيض التوتر و رابعها إدلب, ونشرٌ للمراقبين.

إنهيارات وإنشقاقات كبيرة في صفوف الجماعات الأرهابية , سقطت معها واجهات “المعارضات” وعشرات مسمياتها وشخصياتها , و دُعي المسلحون إلى طاولة الحوار المباشر، إتفاقٌ دولي ثلاثي دفع الأستانة لتكرار فتح أبوابها للمرة السادسة , استعدادا ً منها لتوزيع تذاكر جنيف المتسلسلة تباعا ً ، فيما عبدّت حلب طريق المعجزة ، وتبعتها دير الزور , واختصر تحريرهما الحكاية وغدا البداية على طريق النهاية.

وبإنتظار إنعطافة ترامب ستبقى الحرب مستمرة ، فلم تعلن واشنطن استسلامها بعد ، ولاتزال تفكر بمشروع كيسنجر التقسيمي , وتحمله بحقائب خفيفة على أكتاف إنفصاليين متهورين , حالمين , وواهمين ، وسط حقيقةٍ واحدة ووحيدة يرصدها صمود السوريون وقيادتهم وجيشهم الأسطوري , الذي لا تعنيه خطوط واشنطن وتل أبيب وعملائهما الحمراء.

واتجهت أنظار العالم –اليوم- نحو العاصمة الكازاخية ، وبيان نسختها السادسة النهائي , الذي أكد على وحدة الأراضي السورية واستقلال قرارها السياسي , والذي يراه البعض إنتصارا ً للسلام والفوضى بنفس الوقت ، لحين إتضاح الرؤية وإثبات حسن النوايا خصوصا ً ما يتعلق بالضامن التركي , وسط إنعدام ثقة السوريين بشخص الرئيس أردوغان وحكومة التنمية والعدالة , وتمسك “المعارضين” بعدم الثقة بالضامن الإيراني.

بالتأكيد هي أجواء متلبدة ويلفها الغموض والحذر , مع تصاعد الخلاف التركي– الأميركي، والتقارب الروسي – التركي , فالعلاقات التركية على الجهتين تتطلب تقديم صور مختلفة عن السنوات الأولى للحرب، مع التأكيد على وجود خلاف ٍ حقيقي في الملف الكردي الذي يعكس هواجس أنقرة ومخاوفها من الدعم الأميركي لإقامة دويلة كردية في الشمال السوري ، في الوقت الذي تجد فيه تركيا نفسها مرغمة على السير في مسار السلام والتخلي عن “جبهة النصرة” , نتيجة محصلة الهزائم التي منيت بها أدواتها و مجموعاتها الإرهابية , ومنحها فرصة التفكير في مصير إرهابييها وإحتوائهم أو ترحيلهم , بالإضافة للضغط الروسي الرهيب الممزوج بالترغيب الإقتصادي والصفقات العسكرية , وتحت تأثير حالة عدم الإستقرار الداخلي وعشرات المشاكل الخارجية ، ولجؤوها الدائم لتصدير أزماتها نحو خارج حدودها في ظل أطماعها وطبيعتها العدوانية العثمانية.. ومع ذلك تبقى صحوة تركيا أو استدارتها وإنعطافها مثار الشكوك ، في الوقت الذي قد يُفسَر قبولها بمنطقة خفض التوتر الرابعة قد أتى بتكليف أمريكي, لإدارة الهزيمة في إدلب قبل أن يفجر الجيش العربي السوري مفاجئة ً تقوض الدور الأمريكي في سوريا برمته.

إن توافق الأطراف الرئيسية و الدول الضامنة والملتحقين بهم من المؤيدين لنتائج جولة أستانا السادسة (فرنسا , مصر, قطر , السعودية.. إلخ) , لا يُغري الدولة السورية ولا يوّلد ثقتها بحسن نوايا البعض بعيدا ً عن أفعالهم, ولا بد لها أن تختبر جميع الأطراف المرتبطة والمؤثرة , والعالم كله و”سلامه” الدولي, الذي أجمع عليه في مجلس الأمن، إذ يقول رئيس الوفد السوري إلى أستانا الدكتور بشار الجعفري : “وحدة سوريا إمتحانٌ لكل طرف يراهن على الإرهاب في سوريا ” , ولا بد لها أن تضع من ادعوا المعارضة المسلحة المعتدلة تحت المجهر الكوني والسوري، فحسمها العسكري يتطلب حسما ً سياسيا ً تريده الدولة السورية صافيا ً و بلا شوائب لتنطلق نحو نصرها الكبير وتصطحب معها الأصحاء والتائبين وتلفظ الخونة.

يبدو أن المرحلة القادمة ستحمل المزيد من القساوة و المواجهات الصعبة في ظل إزدواجية الحديث عن السلام واستمرار الحرب وتشابك الملفات ، وتبدو المعركة أكثر خطورة وتعقيدا ً من الحرب العسكرية المباشرة، في وقت ٍ يُفترض بالعاقلين عدم المبالغة بنتائج لقاء الأستانة , قبل إخضاعها للإختبار , والإنتقال نحو جنيف فالطريق طويلة , و يبقى للسوريين أن يؤمنوا بأنفسهم وقيادتهم الحكيمة وجيشهم الوطني الشجاع العاقل الخبير في تخطي حقل الألغام الدولي والإقليمي الذي تسعى واشنطن و دول العدوان من خلاله لتحقيق مصالحهم على المدى القريب والبعيد أيضا ً , عبر تفخيخ سوريا من الداخل و فرض “الأشباح” على هيئة معارضات تختلف مسمياتها أو ألقابها أو أدوارها، فالشعب السوري يدرك خيالية وجود معارضة مسلحة معتدلة، فسلوكها فضح أمرها ولم يعد ينتظر إعترافها أو مبايعتها أو إنشقاقها عن التنظيمات الإرهابية في “داعش” أو “النصرة”، ولا يحتاج السوريون لمن يقدم لهم صكوك براءة ٍ لمن حمل السلاح الإرهابي – التكفيري وقطع الرؤوس وأكل الأكباد كهوية للتعريف.

ويبقى السؤال , هل يَصلح الحوار السياسي السوري- السوري كبديل للحرب الدولية على سورية ؟ ويمكّن أعداء سورية على طاولة الحوار من الحصول على ما عجزوا عن تحقيقه في الميدان؟ أم هو السلام القادم بكل ما تعنيه الكلمة.


كتبه: ميشيل كلاغاصي