دراسة في ثلاثة أقسام | القسم الأول

عبد الوهاب البياتي إسم كبير على خارطة الشعر العربي المعاصر. ويعتبر من رواد الشعر الحديث واقترن أسمه بالشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك الملائكة وقد كتب النقاد عن أول قصيدة معاصرة من شعر التفعيلة واختلفوا فيمن كتبها من الشعراء الثلاثه.

ولد الشاعر عبد الوهاب البياتي في بغداد عام 1926 في منطقة باب الشيخ وقضى طفولته في تلك المنطقة الزاخرة بالموروثات الشعبية العراقية،والعلاقات الإجتماعية الحميمة، وعرف أبناء تلك المنطقة بقوة شكيمتهم وصلابة صراعهم مع الحياة ، واعتزازهم بأنفسهم، وإحيائهم للممارسات الشعبية و(البستات ) العراقية الأصيلة في حفلات الزواج وختان الأطفال واستقبال الحجيج القادمين من بيت الله الحرام والزيارات الجماعية والفردية المصحوبة بالضرب على الدفوف وإطلاق المدائح النبوية وذكر آل البيت الأطهار أثناء التوجه إلى ضريح الشيخ الصوفي عبد القادر الجيلاني القريب من المنطقة وخاصة في ذكرى مولد الرسول الكريم محمد ص وآل بيته الغر الميامين ع. وغيرها من الممارسات الدينية والإجتماعية . وجميع هذه الممارسات الإجتماعية كونت خزينا متراكما في ذهن الطفل عبد الوهاب البياتي الذي عايش تلك الشخصيات، وشاهدها عن كثب وتأثر بسلبياتها وايجابياتها وتناقضاتها وصراعاتها و(الإنسان أبن بيئته ) كما يقال يتعلم منها ويتأثر بها سلبا أو إيجابا في مرحلة الطفولة خاصة حيث تجسدت تلك المشاهد والأحداث والشخصيات فيما بعد في أشعاره التي كتبها عن بغداد مدينة التقاليد الراسخة ، والحضارة العريقة وسحر ألف ليلة وليلة.

هذه المدينة العنقاء التي تعرضت لعشرات الغزوات البربرية الهمجية وأبشعها الغزو المغولي عام 1258 بقيادة هولاكو حيث قتل فيها مليونين من البشر وأحرقت مكتباتها ، واصطبغ نهر دجلة بالدماء واختلطت تلك الدماء بآلاف الكتب القيمة والمخطوطات النفيسة التي لاتقدر بثمن . ودمرت معظم معالمها الحضارية لكنها نهضت من جديد تتحدى عواصف الزمن والأعداء بكل عنفوان وشموخ وإباء. وتلك الطبقات الشعبية التي ترعرعت بين أحضانها ولدت من رحم تلك ألمعاناة وخاضت غمار الحياة بقوة وعزم فريدين. حيث تجمعت تلك الصور في ذهن الطفل وعبرعنها بصور شعرية فيما بعد حين استعاد ذهنه ذلك الشريط السينمائي الحي حيث يقول عن مدينة بغداد الخالدة في مقطع من إحدى قصائده :

ولدت من زبد البحر. 
ومن نار الشموس الخالده. 
كلما ماتت بعصر بُعثت. 
قامت من الموت وعادت للظهورْ. 
أنت عنقاء الحضاراتٍ. 
وأنثى سارق النيرانْ. 
على مر العصورْ . 

إلتحق الشاعر عبد الوهاب البياتي بدار المعلمين العالية قسم اللغة العربية آنذاك عام 1944 ودرس خلالها على أيدي كبار علماء العراق في اللغة والأدب والشعر والنحو منهم الدكتور محمد مهدي البصير والمؤرخ اللغوي الكبير مصطفى جواد وغيرهم وتعرف خلالها إلى الشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك الملائكة والشاعر السوري سليمان العيسى . وتخرج منها عام 1950 وعمل مدرسا للغة العربية في بدايات تخرجه انتقل بعدها إلى العمل الصحفي واعتقل عدة مرات بسبب مواقفه الوطنية وانتقل إلى سوريا ثم بيروت فالقاهرة ثم سافر إلى الإتحاد السوفيتي السابق بين عامي 1959و 1964 واشتغل أستاذا في جامعة موسكو، وعاد إلى القاهرة عام 1964 وأقام فيها إلى عام1970 ورفض أن يكون تابعا ذليلا للنظام البعثي الفاشي الصدامي الذي استولى على السلطة من جديد عام 1968 وترك مهنته كملحق ثقافي في السفارة العراقية في المغرب مفضلا حياة الفقر على الإرتماء في حضن النظام العفلقي الإستبدادي الدموي .

وسافر إلى إسبانيا ودرس الأدب الإسباني وأصبح معروفا على صعيد الوطن الإسباني وترجمت أشعاره إلى اللغة الإسبانية ثم عاد إلى دمشق وأقام فيها إلى يوم وفاته في الثالث من آب عام 1999 حيث نعته إذاعة دمشق في نهاية النشرة الإخبارية بعد أن أسقط النظام الصدامي الإجرامي الجنسية العراقية عنه كعادته المتبعة مع كل عراقي لايسير في ركابه ويتحول إلى بوق لمدحه وتعظيمه وهذا مافعله الطاغية مع شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري الذي دفن في دمشق قرب مرقد السيدة زينب ع. وقد أوصى الشاعر عبد الوهاب البياتي أن يدفن قرب ضريح الشيخ محي الدين بن العربي على قمة جبل قاسيون (الذي يحمله في قلبه أينما حل ) حيث يحتوي رفات الشيخ الذي عشقه وشيعه عدد قليل من محبيه إلى مثواه الأخير.

بعد أن قضى الكثير من سني عمره في المنافي فقيرا مغتربا عن وطنه ولم يدنس كلماته الشعرية العالمية بمدح الطاغية صدام الذي كان يرغب رغبة جامحة أن يسمع قصيدة مدح منه في القصر الجمهوري كما سمع من غيره من المداحين الراقصين الذين باعوا شرفهم وكلماتهم بثمن بخس فسقطوا في الحضيض ونبذهم الشعب العراقي ولعنهم التأريخ. وكانت آخر مقابلة له في التلفزيون السوري قبل وفاته بأسابيع وقد بدا في تلك المقابلة مصرا على الكتابة رغم مالحق به من أذى في عينيه ، وإصابته بأمراض أخرى بدأت تدب إلى جسمه النحيل المتعب.

إن عالم عبد الوهاب البياتي الشعري عالم واسع مفعم بالصور الشعرية الحية المكثفة والثرة والغنية والتي كانت رسالة الشاعر المنتمية إلى قضايا البشر المضطهدين على مجمل مساحة الأرض وكان الشاعر يدرك أن حياته مرهونة بالشعر، وإن الشعر مرهون بالكلمة ، وإن الكلمة العابقة بحب الأرض والفقراء باقية مابقي الناس.وقد تنازعت رغبتان في أعماقه المشحونة برفض الظلم والإضطهاد هما رغبة الصمت ورغبة الكلام .

رغبة الصمت أمام الواقع المر والظلم الكبير الذي يعاني منه شعبه وهو يمتلك هذا الفيض الشعري الموغل في دمه المشتعل بحب الأرض والناس الفقراء، ورغبة في الكتابة بحثا عن المخبوء بين صفحات السنين وإطلاق تلك التجربة الشعرية الكبيرة والفذة والمحرضة الصارخة بالإحتجاج المشروع من عقالها محتجا فيها على أصنام الظلم والجريمة والقهر فاختار الرغبة الثانية بكل عنفوانها الحار وبكل ماتحمل من مرارة وحرمان وتشريد وتهميش من قبل السلطة الجائرة وأزلامها من مطايا الجهل والإنحراف والسقوط الذين كانوا يتمتعون بكل ملذات الحياة ويعتبرون الملايين من المحرومين قطيعا مهمته الوحيدة التسبيح باسم الحاكم والتصفيق له ردا على ظلمه وجبروته وسحقه لتلك الطبقات المحرومة التي حرمت من أبسط متطلبات وجودها.

لأنه الطريق الجميل النقي المحتج على الظلام وخفافيشه من أعداء الحياة وهي رسالة الشاعر الإنسانية والأخلاقية التي تنبع من روحه النقية المفعمة بحب الخير والفضيلة والطهر رغم كل ماتعانيه من آلام وأوجاع من أعداء البشرية الأوغاد الذين لاهم لهم سوى التنكيل والغدر وفتح السجون لمن يرفض نهجهم الظلامي ولكن دائما وراء الغيوم هناك شمس مشرقة منطلقا من قصيدته (الفرح الحزين ) في فلسفته لصديقه الشاعر الإسباني (غارسيا لوركا) التي يقول فيها:

أكثر الأفراح حزنا. 
أن تكون شاعرا. 
كل الأحزان الأخرى. 
لاقيمة لها حتى الموت.

وحين اختار البياتي أن يحمل همه الكبير بين ضلوعه ليكون شاعر المنفى والفقراء عرف إنه سيختار أكثر الأفراح حزنا حيث يقول:

ياأخوتي .!
حياتنا أغنية جميلة. 
وأجمل الأشياء. 
آت ماوراء الليل من ضياء. 
ومن مسرات ومن هناء. 
وأجمل الغناء. 
ماكان من قلوبكم ينبع. 
فلتلعنوا الظلام. 
وصانعي المأساة والآلام. 
ولتمسحوا الدموعْ. 
وتوقدوا الشموعْ. 

لقد كتب العديد من النقاد الكبار والمتابعين لمسيرة الشاعر عبد الوهاب البياتي عن تلك التجربة الشعرية الكبيرة التي خاضها ونقل من خلالها صوره الشعرية الحية من خلال رموزه التأريخية التي وظفها بكثافة في شعره وهي: عشتار – عائشة – الحلاج –محي الدين بن عربي – عمر الخيام –أبو العلاء المعري – المتنبي – سيزيف –لوركا – ناظم حكمت – بوشكين – مصباح ديوجين وغيرها من الرموز والأساطير العالمية وحصل العديد من الدارسين شهادة الدكتوراه والماجستير في شعره وصنفه الإسبان في خانة الشعراء الكبار أمثال الشاعرغارسيا لوركا والشاعر رفائيل ألبيرتي والشاعر خافيير ماركوس .

لقد كتب الناقد صبري حافظ عن تجربة البياتي الشعرية قائلا:

(لقد عاش البياتي خصوبة شعراء القرن التاسع عشر ولكن بأسلوب القرن العشرين أمثال لوركا ونيرودا وأراجون وناظم حكمت . فعبد الوهاب البياتي لايتعامل مع الكلمات باعتبارها ترفا أو إحدى أدوات الزينة ولكن باعتبارها سلاح حياته ، ومبرر وجوده .وإن الكلمات عنده أسلحة وكتابة القصائد أحد أشكال إستخدام هذه الأسلحة في معركة الوجود) .

وكتب الناقد مدني صالح :

(السياب والبياتي هما أصدق شاعرين منذ أن بنى أبو جعفر المنصور بغداد .)

وكتب مجاهد عبد المنعم :

( لو لم يولد البياتي لكان على التأريخ أن ينجب بياتيا يحمل كل خصائص البياتي الحالية. )

لقد كان البياتي شاعر المنافي بحق بعد أن لاقى الجحود والظلم والتعسف في وطنه وأينما كانت تحط قدمه في هذا العالم كان يحمل قلبه المتعب بهموم وطنه العراق . لقد طحنته السنين وصنعت منه عاشقا صوفيا معجونا بتربة العراق الذي تحول إلى غابة يسرح بها طاغية سفاح وعصابته القتلة من جلاوزة البعث الفاشي ومداحي السلطة الجائرة المتسكعين على موائد البلاط الصدامي وهباته وعطاياه المسروقة من دماء الملايين من المحرومين والمعدمين والمسحوقين في العراق والذين حول الطاغية عظامهم إلى وقود لحروبه الدموية المهلكة وتغنى بها شعراء البلاط الصدامي المعروفين الذين أتخمتهم تلك الموائد المحرمة وظلوا ينعبون وينعقون ببكائياتهم على العراق زورا وكذبا ودجلا بعد أن تجاهلوا كل تلك الدماء الطاهرة التي سفكها الطاغية واعتبروها فتحا باهرا ونصرا عظيما لمستقبل الأمة العربية المشرق ولم تكن إلا طامة كبرى للعراق وشعبه أرجعت العراق والأمة العربية إلى قرن من التأخر والضياع والتمزق والنكوص.

في منتصف الأربعينات تفتحت شاعرية الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي وكانت تلك القترة تعج بالظلم وكثرة الفقراء والمسحوقين الذين يصارعون الحياة من أجل لقمة العيش التي كانوا يحصلون عليها بصعوبة بالغة . حيث عاش البياتي في تلك الفترة منحدرا من تلك العائلة العمالية البسيطة وشاهد بني وطنه تفتك بهم الأمراض وتبرز عروق أجسادهم الناتئة في حر الصيف اللاهب ، وبرد الشتاء القارص وهم يزرعون أرضهم التي أحبوها والعمال الذين لفحتهم الشمس المحرقة وهم يقومون بأعمال يدوية شاقة أقوى من أجسادهم المتعبة بكثير من أجل جلب لقمة العيش لعوائلهم فأدان ذلك الواقع المرير ودعا إلى التمرد على ذلك الواقع المزري من خلال ديوانه الأول ( ملائكة وشياطين ) عام 1950 وازدحم ذلك الديوان بكلمات( الحرمان .. الموت .. الظلام .. القبور.. الدماء . ) ففي قصيدته أغنية منتحر يقول :

ليل أحس على فمي شفة. 
صفراء تصبغ بالدماء فمي. 
وجناح خفاش يطيرعلى قبري 
فيملأ بالرؤى حلمي. 
وأرى يدا سوداء تصفعني. 
وتشد شعري شد منتقم. 
وأرى غطاء القبر منتفخا. 
وجحافل الديدان كالظلم. 

إنها أبيات تدين الواقع المر، وتحرض على الثورة عليه رغم الأيادي السوداء وجحافل الديدان من عملاء الحكام الذين امتصوا دماء الملايين وحولوهم إلى أشباح.

وفي قصيدته (حافة الشيطان ) إدانة واضحة لذلك الواقع الفاسد والقيم المصطنعة الكاذبة التي يتمسك بها الظالمون من أجل أن يحتفظوا بمواقعهم :

قيمٌ يصوغ الكذب أحرفها 
ويلوح من ألفاظها العفنُ 
العار يأنف أن يصافحها 
وتعافها الديدان والدمنُ 
أقزامها أشباحُ مهزلةٍ 
غرى يعيد فصولها الزمنُ 
والسوط والحرمان في يده 
والخمر والأزهار والكفن. ُ

وفي ديوانه (سفر الفقر والثورة ) يختار شخصية الحلاج ذلك الإنسان الصوفي الثائر الذي صلب عام 309ه من قبل حكام الظلم والجور وكانت تهمة (الزندقة ) جاهزة لكل من يناوئ السلطة العباسية الجائرة بعد أن جلد بالسياط وقطعت أوصاله ثم فصل رأسه عن جسده وأحرقت أشلاؤه ورميت بقاياها في نهر دجله فنراه يختار هذه الشخصية الصوفية التي ضحت بنفسها في سبيل القيم والمبادئ التي آمن بها بعد أن ذاب في العشق الإلهي حيث كتب البياتي قصيدة (المحاكمة ) التي تجعل من الحلاج رمزا للشموخ والتحدي ضد أعداء الله والدين من حكام الإستبداد الذين نصبوا من أنفسهم أصناما تعبد من دون الله وإن رماد عظام هذا العاشق الصوفي ستزهر وتورق غابة من أشجار وإشعاعات نور للنفوس التي أطبق عليها الظلام حيث يقول في تلك القصيدة :

عشر ليال وأنا أكابد الأهوال 
وأعتلي صهوة هذا الألم القتالْ. 
أوصال جسمي قطعوها أحرقوها .
ونثروا رمادها في الريحْ .
أوصال جسمي أصبحت سمادْ .
ستكبر الغابة يامعانقي وعاشقي. 
ستكبر الأشجارْ. 
سنلتقي بعد غد في هيكل الأنوارْ. 
فالزيت في المصباح لن يجف. 

وفي قصيدته (المتنبي ) يتناول تلك القامة الشعرية العظيمة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس وانتهت إلى قبر مجهول في دير العاقول حيث يتصدى له فاتك الأسدي ويحاول المتنبي النجاة بنفسه فيرفع فاتك صوته نحوه ألست القائل :

الخيل والليل والبيداء تعرفني 
والسيف والرمح والقرطاس والقلم ؟

فيقفل المتنبي راجعا لمواجهة مصيره المحتوم وهو يقول : (قتلتني قتلك الله .) وهي قمة الإلتزام بالكلمة من شاعر الخلود المتنبي فيقتل فاتك وجماعته المتنبي وغلامه وإبنه محسد . حيث يستغل البياتي هذا الموت الدرامي لذلك الشاعر الذي جاب الفيافي والقفار وهو ينشد شعرا متفردا فيكتب قصيدته :

(موت المتنبي ) في ديوانه النار والكلمات الذي أصدره عام 1964

عيونه الطينية السوداءْ. 
تسبر غور الجرح في السماءْ. 
حصانه يصهل في المساءْ. 
على تخوم المدن الغبراءْ. 
يورد نبع الماءْ. 
حصانه عبر المراعي الخضر والتلالْ. 
يوقظ في حافره النجوم والأطفال. 


كتبه: جعفر المهاجر