ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك، وتحدث في الخطبة الأولى حول الصوم وآثاره.

 ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبة:
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون[البقرة: 183]. صدق الله العظيم.

الصّوم يتصدّر العبادات
يتصدّر الصّوم كفريضة باقي العبادات، من جهة المشقّة والصّبر الذي يتطلبه من جانب، ومن جهة الانضباط الجمعي من جانب آخر. فيكفي أن ترتفع أصوات المآذن أو وسائل الإعلام لتعلن الإمساك، حتى يتوقف الجميع عن الطعام والشراب بدون تردّد وبانصياع تامّ، إلى حين يؤذَن لهم بالعودة إلى تناول الطعام والشّراب وبقية المفطرات.. وهذا يحصل بعيداً عن أيّ رقابة، بالرغم من أنهم يملكون القدرة على أن يأكلوا ويشربوا خفيةً، ولكنهم لا يفعلون ذلك، التزاماً منهم بأوامر الله، وإحساساً منهم بأن الله يراهم.
وهذا الالتزام التامّ والانضباط رغم مشقّة الصوم، ولا سيّما عندما يكون في أيّام الحرّ، أو عندما يكون النّهار طويلاً، يشعر الأمّة بالاعتزاز بنفسها والثّقة بنفسها، وبأهمّيتها، وأنها أمة قادرة، أمة قوية، أمة جبارة.. هي أمة تمسك بقرارها، لا يملكها طعامها وشرابها ولذاتها.. بل هي حرة أمام كل ذلك.. فيما قد تسقط أمم أخرى أمام حاجاتها ومتطلّباتها واستهلاكاتها وتخضع لها، ولأجلها قد تبيع قيمها ومبادئها..
فالصّوم دوره أن يثبت هذه القيمة؛ أن يعزّز الإرادة الّتي هي بحاجة دائماً إلى تحصين وتدعيم. فالإرادة حصن الإنسان المؤمن، وهي مظهر قوته وإنسانيّته، وبدونها، يصبح الإنسان في مهبّ رياح الآخرين، أو رياح الشّهوات والغرائز.. وهذه الإرادة هي مستهدفة من الشّيطان، من النفس الأمّارة بالسوء، ومن كلّ الأجواء التي تحيط بالإنسان، والتي تسعى إلى تهديم هذا الحصن الواقي.. ودور الصّوم أن يحصّنها.. ولذلك قال رسول الله(ص): “الصّيام جُنّة، وهو حصن من حصون المؤمن”.

أين آثار الصّوم في المجتمعات؟!
فالصّيام، وكبقيّة العبادات الّتي فرضها الله على عباده، لم يرده الله لذاته (فهو الغنيّ عن عباده)، بقدر ما أراده أن يصنع إنساناً ــ على صعيد الفرد والمجتمع والأمّة ــ إنساناً يملك إرادة قويّة صلبة، إنساناً لا يقدم على ما يسيء به إلى نفسه، إنساناً لا يخضع لضغط الألفة والعادة التي اعتادها، والّتي من الصّعب تغييرها، إنساناً يسعى لتزكية نفسه وتطهيرها من كلّ ما قد يكون علق بها، لإعادتها إلى جادة الصواب، إلى حيث يريده الله أن يكون.
ولا ريب في أنَّ هناك تساؤلاً يفرض نفسه لدى الجميع: إذا كان الصّوم يعيد تأهيل الإنسان والمجتمع إيمانيّاً، ويؤدِّي إلى تقوية إرادته وجعله حرّاً أمام شهوات نفسه، فلماذا لا نرى من هؤلاء الصّائمين، أو من المجتمعات الصّائمة، هذه العزيمة والصّبر والصّلابة والتدبّر في باقي شؤون الحياة خارج فريضة الصّوم، حيث لا تزال هذه المجتمعات تعيش في الركب تابعة، خاضعة، مستهلكة.. لماذا؟؟ فيما الصّوم هو من أبرز أدوات منطق القوّة التي أراد الإسلام للمجتمعات أن تنتهجها للنّهوض بذاتها… هو سلاح انتهجه المسلمون في الأيّام الأولى من الدّعوة، من أجل اكتساب الصّلابة، وتخطّي صعوبات الطّريق، وتواضع الإمكانيات. وحتى في غير المسلمين، رأينا نماذج للصّوم والمقاطعة كسلاح فعّال لمواجهة المحتلّ (كما في فلسطين، نرى الذين يضربون عن الطعام)، وقد قال الشّاعر القروي (عن غاندي في الهند):
لَقد صامَ هِنْدِيٌّ فَجَوَّعَ دَوْلَةً فهَلْ ضارَ عِلْجاً صَوْمُ مِلْيونِ مُسْلِمِ
والجواب لكلّ ذاك نراه في الفهم السّطحي لحقيقة الصوم ولدوره، بل لحقيقة العبادات وغاياتها، فالكثيرون يفهمون الصوم بطريقة طقوسية موسمية بحتة، تقتصر فقط على وقف الطعام والشراب، ويظنّون أنهم بمجرّد إمساكهم عن المفطّرات، يحقّقون هدف الصّيام، فيما أنّ الإمساك عن الطعام ليس هدفاً بذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف مرجوّة على صعيد بناء النفس، وعلى صعيد بناء المجتمعات. إذاً الأمر مرهون بالنّتائج.
والقرآن الكريم كان واضحاً من خلال الآيات التي تحدثت عن فريضة الصّوم، إذ ركّز على النّتائج وأكّد عليها. والملفت أنَّ الآيات التي وردت عن الصّيام في سورة البقرة قليلة، ولكنّها كانت واضحة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.. وعمليّة اختبار فعاليّة الصّوم لدى الفرد، تتمّ بقياس منسوب التّقوى لديه.. وهكذا لدى الجماعات..
فمن صام كلّ الشهر، وأرهق نفسه وامتنع عن الطّعام والشّراب وعانى، لكنّه لم تتشكّل لديه هذه الحساسيّة تجاه الحرام، والحساسيّة تجاه المنكرات والباطل والظّلم والفساد، ويتساهل في كلمةٍ من هنا وخبريَّةٍ من هناك، وفي قرار من هنا وإجراء من هناك، فهل نقول عنه إنّه صام؟.. لا بل نقول ما قاله رسول الله(ص): “ربَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش”. وقد ورد في الحديث: “من لم يدع قول الزّور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”. وجاء في الحديث أيضاً: “الصّيام اجتناب المحارم، كما يمتنع الرّجل من الطّعام والشّراب”، “ما يصنع الصّائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه”.. عن الحرام… “إنّ الصّوم ليس من الطعام والشراب، وإنما جعل الله ذلك حجاباً عن سواهما من الفواحش من الفعل والقول يفطر الصّائم. ما أقلّ الصوّام وأكثر الجوّاع!”.
وجاء في الحديث: “صيام القلب عن الفكر في الآثام، أفضل من صيام البطن عن الطّعام”. والشّواهد على ذلك أبلغ مما يتّسع له المقام..

العلاقة بين الصّوم والإصلاح
نحن، أيّها الأحبّة، بحاجة إلى إعادة توصيفٍ لهذا الشّهر، حيث ارتكز في أذهان الناس أنّه امتناع عن الأكل والشّرب، فيما يجب أن نركّز على أنَّ فريضة الصّوم ككلّ العبادات، لها شكل ولها مضمون وهدف، والعبادات بالنّسبة إلى الفرد مرهونة بنتائجها على أرض الواقع، ألا وهي التّقوى، وأبسطها في الصّلاة: “لا تنظروا إلى طول ركوع الرّجل وسجوده… ولكن انظروا الى صدق حديثه وأداء أماناته”.. إنّه أمر: لا تنظروا الى الشّكل والقشر.. (فيما للأسف، مجتمعاتنا لا تفهم إلا بالشّكل: يأسرها الشّكل والكمّ والعدد)..
ونتائج الصّوم هي تحصيل التقوى على صعيد المجتمعات وعلى صعيد الأمّة، وتتمثل في التّكافل والتعاون والوحدة، وتتمثّل على صعيد أصحاب قرارها بتأمين العدالة، وتوفير الكرامة واحترامها.. هنا نقول إنَّ هذا مجتمع انتفع من الصيام واكتسب فعالية التقوى من خلاله.
وكملاحظة جانبيّة في هذا المجال، فإنّ المتأمّل لآيات الصّوم، يجد أنّه ورد مباشرةً، وفي أعقابها، ما يتّصل بالعلاقة التي يقيمها المؤمن مع أمواله: فبعد آيات الصّوم في سورة البقرة: 183-187، نجد الآية 188 تقول: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 188]..
ولعلّ هذا من قبيل إظهار الرابط الجليّ بين الصّوم وضمان نتائجه الاجتماعيّة والاقتصاديّة، فمن التّقوى، تجنّب المعاملات الباطلة بالأموال والأرزاق، ومن التّقوى، الابتعاد عن مواطن الفساد والإفساد والرّشوة، ومن التّقوى، عدم التّواطؤ مع أصحاب النّفوذ والسّلطة والحكم، ومن هم في مواقع القضاء، ومن هم في الإدارات والأمن والبلديات والمحافظات، لظلم الناس والضعفاء ممن لا سند لهم ولا ظهير، ولعلَّ هذه أبرز آفة تصيب مجتمعاتنا، وحتى الصّائمة منها. فكم من قضية حقّ تضيع بسبب رشوة لقاض، وبسبب رشوة لرجل أمنٍ، وكم من قضايا تنام وتوضع في الأدراج خدمةً لمتنفّذٍ أو زعيم.. للأسف، صارت هذه الانتهاكات متجذّرةً، وصار لها روّادها ولغتها ووسطاؤها، وصارت هناك تسعيراتها وأثمانها، وعلى المكشوف..

لتعزيز ثقافة التّغيير
نتمنّى ونحن في شهر التقوى، أن يصاب مجتمعنا بالحساسية تجاه الراشين والمرتشين، سواء كانت الرشوة كثيرة أو قليلة، مباشرةً كانت أو بالوساطة، بالتصريح أو بالتلميح، بالتواطؤ أو بالمباشر. تعالوا نشير إلى كلّ فاسد ولا نغطّي أحداً مهما كان، فلا أسباب تخفيفيّة لأحد، وحديث رسول الله(ص) بيننا: “والله لو سرقت فاطمة بنت محمَّد لقطعت يدها”. تعالوا إلى مجتمع لا يشقى فيه الفرد ليأخذ حقّه، ولا يستغلّ من هو في موقع خدمة النّاس الصلاحيات المعطاة له فيسخّرها لحسابه الشخصي.
تعالوا نتعاون جميعاً لأجل مجتمعٍ تقيٍّ وورع، فإن لم نستطع سنّ القوانين الجادّة والمانعة، فلنعزّز، على الأقلّ، ثقافة التّغيير وثقافة رفض الفساد ومقاطعة الفاسدين وإنكار عملهم، وهذا إن حصل في مجتمعنا الصّائم، سنقول حينها إنّنا بالفعل صمنا.
تقبّل الله منّا ومنكم، ونسأله أن يعيننا على أنفسنا بما يعين به الصّالحين على أنفسهم، إنّه سميع مجيب.
“اللَّهمَّ أعنّا على صيامه بكفِّ الجوارح عن معاصيك، واستعمالها فيه بما يرضيك، حتّى لا نصغي بأسماعنا إلى لغوٍ، ولا نسرع بأبصارنا إلى لهوٍ، وحتى لا نبسط أيدينا إلى محظورٍ، ولا نخطو بأقدامنا إلى محجورٍ، وحتى لا تعي بطوننا إلا ما أحللت، ولا تنطق ألسنتنا ألا بما مثّلت، ولا نتكلّف إلا ما يدني من ثوابك، ولا نتعاطى إلا الذي يقي من عقابك”.