لخطبة الغدير مكانة خاصة في السنة النبوية الشريفة، نظراً لما حَوَته من مضامين وما رافَقَ الحدث من أجواء خاصة.

مقاصد النبى صلى الله عليه وآله فى خطبة الغدير

وتتلخص أهم مقاصد النبي صلى الله عليه وآله في خطبة الغدير بالأمور التالية:

1- ضمان استمرار خط النبوة وعدم ضياع ثمرات أتعاب النبي صلى الله عليه وآله خلال ثلاث وعشرين عاماً في إبلاغ الرسالة الإلهية وإنشاء الأمة وجهاد أعدائها. وذلك بتعيين من يتولى حمل الأمانة وإدامة المسيرة النبوية.

2- بيان النبي صلى الله عليه وآله للأمة أن مسؤولية حفظ الإسلام وأمته تقع على عاتق خلفاء النبوة الذين اختارهم الله تعالى، والذين لهم الكفاءة التامة لأداء مهمَّتهم.

3- تعيين الخليفة تعييناً رسمياً على سنة الله في أنبيائه عليهم السلام، وسنة الأمم الراقية في تعيين خليفة قائدها.

4- رسم المنهج السياسى للمسملين إلى يوم القيامة.

5- اتمام الحجة على المخالفين، المقصرين منهم والمعاندين.

هذه الأهداف السامية والمقاصد العالية هي التي أعطت يوم الغدير بُعده الخالد، وجعلته حادثة فريدة في تاريخ الإسلام. ومن أجل هذا كان تأكيد النبي صلى الله عليه وآله عليه كبيراً، وكما قال الإمام الباقر عليه السلام: “لم يناد بشىء ما نودى بالولاية يوم الغدير”1.

شريط أحداث يوم الغدير العظيم

يمكن تصوير عظمة يوم الغدير من مجموع رواياته بما يلي:

1- اقترن إبلاغ النبي صلى الله عليه وآله للأمة ولاية علي عليه السلام بظروف ومميزات خاصة، مثل الاجتماع الكبير، والأسلوب الخاص في البيان، والمنبر الخاص الذي تفرَّدت به هذه الواقعة التاريخية، وأنها تزامنت مع وداع النبي صلى الله عليه وآله لأمته. وهي خصوصيات فريدة تدل على حرص النبي صلى الله عليه وآله على تحصين الإسلام به من أي تحريف داخلى أو عدوان خارجى.

2- لم يطرح النبي صلى الله عليه وآله قضية الإمامة في يوم الغدير وبعده بصورة توجيهات ونصيحة، بل بصورة حكم الهى وأمر نبوى، ولذلك اقترن إعلانها بأخذ البيعة لعلي عليه السلام من جميع المسلمين.

3- تميَّز إعلان الغدير بظرفه الجغرافى في ملتقى الطرق في الجحفة قبل أن يتفرق المسلمون في طريق عودتهم إلى أوطانهم، وبالصيف الحار الذي كان في تلك الأيام الثلاثة في تلك الصحراء الملتهبة.

4- الظرف الزمانى لبيعة الغدير ووقوعها في موسم الحج الذي هو أعظم تجمع جماهيري للمسلمين.

5- إعلان النبي صلى الله عليه وآله فيها عن قرب رحيله، فإنه صلى الله عليه وآله رحل من هذه الدنيا بعد سبعين يوماً من إلقائه هذه الخطبة.

6- نزول الخطاب الإلهي الخاص للنبي صلى الله عليه وآله بهذا الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾2، وهو خطاب يختلف عن سائر الخطابات الإلهية للرسول صلى الله عليه وآله.

7- ضمن إبلاغ هذا الحكم الإلهي أبدى النبي صلى الله عليه وآله توجُّسه وخوفه من مؤامرات المنافقين في تلك المرحلة، وتأكيده على أن هذه البيعة هي الضمان لمستقبل الأمة الإسلامية.

8- رافق إعلان النبي صلى الله عليه وآله لإمامة علي والعترة عليهم السلام، الوعد الإلهي بعصمته وحفظه من كيد الأعداء المعترضين. وهما ضمان وعصمة لا نجدهما طيلة عمر النبي صلى الله عليه وآله وتبليغه الرسالة!

9- تميَّزت خطبة الغدير وبيعة الغدير بمفاهيم سامية ومعان عميقة في مقام الولاية للعترة النبوية الطاهرة عليهم السلام.

10- تميَّزت بيعة الغدير بمراسمها الخاصة قبل الخطبة وبعدها، مثل إهداء النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام عمامته الخاصة، وأمره المسلمين بتهنئته وبيعته.

11- تميَّز يوم الغدير بنزول الخطاب الإلهي الخاص بعد بيعة الأمة لعلي عليه السلام: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾3، وهو خطاب لا مثيل له في الخطابات الإلهية السابقة.

12- تميَّزت بيعة الغدير باهتمام خاص من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم في كل الأجيال. فقد صعد المنبر أمير المؤمنين عليه السلام في خلافته وطلب من الصحابة أن يؤدوا شهادتهم في بيعة الغدير، ليعرف ذلك المسلمون الذين لم يحضروها4. وكذلك الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام حيث قالت: “ما علمت أن رسـول الله صلى الله عليه وآله ترك يوم الغديـر لأحد حجـة ولا لقائل مقالا”5، وكذلك بقية الأئمة المعصومين عليهم السلام.

كما اهتم علماء مذهب أهل البيت عليهم السلام برواية هذه الواقعة ونشرها والتأليف فيها بصورة مفصلة، لأنها تمثِّل محور العقيدة بالإمامة، وتجسِّد وفاء الأمة لنبيها فى أهل بيته.

13- ومن مميزات حديث الغدير كثرة أسناده من الصحابة والتابعين، وأن كبار الحفاظ والعلماء ألفوا في أسانيده وأثبتوا تواتر أحاديثه، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم!

إن هذه الميزات الضخمة تدل على الأهمية العظيمة للغدير في ثقافة الإسلام، وتثير فينا روح الغيرة على الإسلام لكي نحافظ على هذا الأصل العقائدي الرباني النبوي، وندافع عنه بكل كياننا.

قافلة النبى صلى الله عليه وآله.. من المدينة إلى غدير خم

رحلة الوداع6

في السنة العاشرة للهجرة أعلن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بشكل رسمي لأول مرة النفير العام للحج، وأن يحضر جميع الناس في تلك المراسم مهما استطاعوا، وسُمِّيت هذه السفرة باسم “حجة الوداع”.

وكانت سفرة نبوية عظيمة، اقترنت بذكريات عميقة عن سيرة النبي صلى الله عليه وآله وتبليغه رسالة ربه، وترسَّخت في وعي المسلمين ومصادر حديثهم وتاريخهم.

وكان الهدف النبوي من هذه السفرة بيان ركنين من أركان الإسلام ليتـمَّ بهما تبليغ الإسلام: أحدهمـا الحج، والآخر الخلافـة والولاية على الأمة بعده.

بعث النبي صلى الله عليه وآله رسله ومبعوثيه إلى محلات المدينة وما حولها، وإلى قبائل العرب يخبرهم بعزمه على السفر للحج ويأمرهم أن يوافوه إلى مكة للحج معه.

وقد استجاب جمع غفير من المسلمين وجاؤوا من كل المناطق زرافات ووحداناً; منهم إلى المدينة ومنهم إلى مكة رأساً، لوداع نبيهم والمشاركة في أداء فريضة الحج المقدسة.

تحرَّك الموكب النبوي من المدينة يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعـدة متَّجهاً إلى مكـة. وكان عدد الحجاج يزداد في الطريق بين المدينة ومكة بانضمام وفود القبائل من المناطق القريبة والنائية من الجزيرة واليمن، ليروا النبي صلى الله عليه وآله ويتحجوا معه ويودِّعوه قبل رحيله إلى ربه.

لقد أعلن النبي صلى الله عليه وآله مرات عديدة أن هذا العام هو العام الأخير من عمره الشريف وهذا بحد ذاته يثير الرغبـة لدى المسلمين للاشتـراك في هذه الرحلة التاريخية. وقد كان عدد المشاركين في مراسيم الحج في هذه الواقعة ما يقارب من مائة وعشرين ألف حاج، وقد حضر من المدينة وما حولها سبعون ألف حاج تشرفوا بصحبة النبي صلى الله عليه وآله ومشوا في قافلته متَّجهيـن إلى مكـة، هاتفين طول الطريـق بالتلبية والتكبيـر.

الإحرام لله تعالى7

وقد تحرَّك الموكب النبوي من المدينة نحو مسجد الشجرة ليبدؤوا إحرامهم هناك.. وكان أهل بيت النبوة جميعاً بصحبة النبي صلى الله عليه وآله في هذا السفر المهيب: فاطمة الزهراء والحسن والحسين وسائر الذرية الطاهرة عليهم السلام، وكذلك نساء النبي ركبن المحامل تحملها الإبل في تلك القافلة الجماهيرية.

ولم يطل نزولهم في “مسجد الشجرة”، فقد أحرموا للحج من هناك وأعلنوا تلبية ربهم. ثم واصلت المسيرة انطلاقتها باتجاه مكة في موكب مهيب في مسيرة عشرة أيام، في قافلة عظيمة تشمل الركبان والمشاة.

ساروا طوال الليل إلى الفجر ملبين ذاكرين الله تعالى إلى فجر يوم الأحد، حيث توقفوا في الطريق ومكثوا إلى المساء.

وبعد أداء صلاة المغرب والعشاء واصلوا مسيرتهم حتى وصلوا صباح الغد إلى “عرق الظبية”. ثم واصلوا السير حتى توقفوا فترة قليلة في “الروحاء”، وتحركوا منها إلى “المنصرف” حيث نزلوا فيها لأداء صلاة العصر. ثم نزلوا في “المتعشى” فأدَّوا صلاة المغرب وتناولوا طعام العشاء هناك. ثم واصلوا السير إلى “الأثاية” فأدَّوا صلاة الصبح. وفي صباح يوم الثلثاء وصلوا إلى منطقة “العرج”; وفي يوم الأربعاء وصلوا إلى “السقيا”.

وفي يوم الخميس وصلت القافلة النبوية إلى “الأبواء” وهو المكان الذي توفيت فيه “آمنة” أم النبي صلى الله عليه وآله، فقام بزيارة مرقدها الطاهر.

وفي يوم الجمعة واصلوا سيرهم فمرّوا على منطقة “غدير خم” و”الجحفة”. ثم ساروا إلى منطقة “القُديد” فنزلوا هناك واستراحوا إلى يوم السبت. ثم رحلوا منها ووصلوا إلى “عُسفان” يوم الأحد. ثم ساروا حتى وصلـوا يوم الإثنين إلى “مرّ الظهـران” وبقوا هناك إلى الليـل.

وفي أثناء الطريق شكا المشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله صعوبة الطريق ومشقة السفر، وطلبوا منه أن يحملهم على الإبل. وبما أن رسول الله صلى الله عليه وآلهلم يكن لديه ما يحملهم عليه فقد أوصاهم بأن يشدوا أرجلهم بما تيسر لهم، ويواصلوا سيرهم هرولةً عسى أن يخفف ذلك عنهم.

ثم توجَّهوا ليلا فوصلوا إلى “سَيرَف” آخر منزل قرب مكة المكرمة. ثم ساروا حتى دخلوا مكة يوم الثلاثاء الخامس من ذي الحجة. فقطعوا تلك المسافة في عشرة أيام، وأناخ أول موكب مهيب للحج بمكة تحف به آيات الجلال والعظمة، بما لم يسبق له مثيل، وبما يقصر الوصف عن بيانه.

وفد حجاج اليمن بقيادة أمير المؤمنين عليه السلام8

كان أكثر أهل اليمن دخلوا في الإسلام على عهد النبي صلى الله عليه وآله، لكن بقيت منها مناطق قبائل همدان وغيرها. فبعث النبي صلى الله عليه وآله إليها جيشاً بقيادة خالد بن الوليد يدعوها إلى الإسلام. وبقي خالد ستة أشهر هناك حيث لم يستجيبوا له، ولم يجرأ هو وجيشه أن يقاتلوهم. فبعث النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين علياً عليه السلام على رأس جيش وأمر خالد بن الوليد أن ينضم تحت إمرته.

وسار علي عليه السلام إلى أداء مهمته في استكمال فتح اليمن، وأكمل مهمته بالمعجزة في بعض المناطق وبالحرب في مناطق أخرى في عمق اليمن; كل ذلك في مدة قياسية.

حتى إذا تحرك النبي صلى الله عليه وآله إلى حجة الوداع تحرك علي عليه السلام من اليمن ليوافيه في مكة. فقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة إلى أمير المؤمنين عليه السلام يخبره بقصده ويأمره بالتوجه هو ومن معه من جيش الإسلام ومن يرغب من أهالي اليمن إلى مكة للاشتراك في مراسم الحج.

فتوجَّه أمير المؤمنين عليه السلام نحو مكة على رأس جيشه ومعه اثنا عشر ألفاً من أهالي اليمن، ومعه الحلل التي أخذها من أهل نجران.

اقترب جيش علي عليه السلام من مكة من ناحية اليمن وعرف أن موكب النبي صلى الله عليه وآله اقترب منها من جهة المدينة. فاستخلف قائداً على جيشه وبادر مسرعاً إلى حبيبه النبي صلى الله عليه وآله لكي يتزوَّد منه بعد فراق شهور، ويقدِّم له تقريراً عن نعم الله تعالى بفتح اليمن وترتيب إدارتها.

فأدرك النبى صلى الله عليه وآله و قد أشرف على مكة. فسلَّم وأخبره بما صنع وبقبض ما قبض، وأنه سارع للقائه أمام الجيش. فسرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك وابتهج بلقائه. ثم قال صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: “عد الى جيشك، فعجِّل بهم الىَّ حتى نجتمع بمكة ان شاء الله”. فودَّعه أمير المؤمنين عليه السلام ورجع إلى جيشه اليماني وتحركوا جميعاً باتجاه مكة فدخلوها في يوم الثلاثاء لخمس مضين من ذي الحجة، يوم دخول قافلة النبي صلى الله عليه وآله إلى مكة أيضاً.

وفي مكة خطب النبي صلى الله عليه وآله خطبته الاولى من الخطب النبوية الست في حجة الوداع.

أداء مناسك الحج مع النبى صلى الله عليه وآله

في اليوم الثامن من ذي الحجة بدأ النبي صلى الله عليه وآله بمراسم الحج، فأحرم وتوجَّه إلى عرفات وبات في طريقه إليها في منى.

وفي اليوم التاسع خطب في عرفات خطبته الثانية، وأكَّد على الأمة التمسـك بالثقليـن: القرآن والعترة، وبشَّرهم بالأئمة الاثني عشر من عترته.

وبعد غروب عرفة توجَّه إلى المشعر، فصلى وبات ليلته. وفي اليوم العاشر توجَّه إلى منى لأداء مناسك يوم الأضحى من تقديم القربان ورمي الجمرات. ثم واصل إلى مكة للطواف والسعي بين الصفا والمروة.

وفي جميع هذه المراحل كان صلى الله عليه وآله يبيِّن للمسلمين مناسك الحج من واجبات ومستحبات، حتى تمَّت أعمال الحج في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة.

الاستعداد لإعلان الولاية9

كان جبرائيل عليه السلام في حجة الوداع وظروفها المصيرية ينزل على النبي صلى الله عليه وآله بأوامر ربه، وقد يكون رافقه طوال موسم الحج وأملى عليه عبارات خطبه.

وكان مما قال له في المدينة: يا محمد، إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك: “إنه قد دنا أجلك وإني مستقدمك عليَّ”، ويأمرك أن تدل أمتك على حجهم، كما دللتهم على صلاتهم وزكاتهم وصيامهم; وتدلهم على إمامهم بعدك وتنصب لهم علياً وصياً وخليفة بعدك.

وفي عيد الأضحى اليوم العاشر من ذي الحجة، خطب النبي صلى الله عليه وآله خطبته الثالثة في منى، فبيَّن فيها مقام أهل بيته من بعده، وأن الله حرَّم عليهم الصدقات وفرض لهم الخمس.

وفي اليوم الحادي عشر خطب خطبة أخرى أيضاً في منى، وأوصى فيها الأمة أيضاً بإطاعة أهل بيته بعده.

وفي اليوم الثاني عشر خطب النبي صلى الله عليه وآله الخطبة العظيمة في مسجد الخيف، وقد فصَّل فيها مقام أهل بيته وفريضة التمسك بهم وطاعتهم.

وهذه الخطب الخمس كلها شواهد نبوية على وصيته لعلي عليه السلام.

التسليم على الإمام على عليه السلام بإمرة المؤمنين10

قبل التوجه نحو الغدير نزل جبرائيل بلقب “أمير المؤمنين” لقباً خاصاً لعلي بن أبي طالب عليه السلام من قِبل الله عز وجل، وقد كان أُعطي إلى الإمام في وقت سابق أيضاً، وكان نزوله في الحج تأكيداً وتنفيذاً فدعا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أكابر الصحابة، وأمرهم ضمن مراسيم خاصة أن يسلِّموا على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين ويقولوا له: “السلام عليك يا أمير المؤمنين”، وبذلك أخذ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله منهم في حياته إقرارهم لعلي عليه السلام بالإمارة.

وههنا قال أبوبكر وعمر بلسان الاعتراض على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: من الله أو من رسوله؟! فقال صلى الله عليه وآله: نعم حقّاً من الله ومن رسوله.

النداء العام للخروج من مكة11

وفي آخر أيام الحج نزل جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله أن الله تعالى يأمرك أن تدل أمتك على وليهم، فاعهد عهدك واعمد إلى ما عندك من العلم وميراث الأنبياء، فورِّثه إياه وأقمه للناس عَلَماً، فإني لم أقبض نبياً من أنبيائي إلا بعد إكمال ديني، ولم أترك أرضي بغير حجة على خلقي….

وقد كان من المتوقع للنبي صلى الله عليه وآله في سفره الوحيد للحج أن يبقى مدة في مكة; ولكنه بعد الانتهاء من مناسك الحج مباشرة أمر بلالا أن ينادي بالناس: “لا يبقى غداً أحد الا عليل الا خرج… “. وهكذا فقد أخبرهم صلى الله عليه وآله عن مراسـم خاصة اقتضـت الحكمة أن يكـون إجراؤها في غدير خم، وانضـم إلى القافلة الراجعـة من الحج كثير ممن لم تكن بلدانهم على ذلك المسير.

الوحى يوقف القافلة النبوية عند الغدير12

تحرَّكت القافلة العظيمة يوم الخميس الخامس عشر من ذي الحجة، فبعد الخروج من مكة وصلوا إلى “سَيْرَف” ومن هناك إلى “مرّ الظهران” ثم إلى “عسفان” ومنها إلى “قُدَيْد” حيث وصلوا “كراع الغميم” على مقربة من الجحفة الذي يقع “غدير خم” في أحد جوانبها.

رحل النبي صلى الله عليه وآله من مكة وهو ناو أن يكون أول عمل يقوم به إعلان ولاية عترته، كما أمره ربه تعالى في وقت يأمن فيه الخلاف منهم عليه، وعلم الله عز وجل أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلدانهم وأماكنهم وبواديهم.

وقبيل الظهر من يوم الإثنين في الثامن عشر من ذي الحجة ولدى وصولهم إلى منطقة “غدير خم” جاءه جبرئيل لخمس ساعات مضت من النهار وقال له: يا محمد، إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾13.

فتسمَّر النبي صلى الله عليه وآله في مكانه وأصدر أمره إلى المسلمين بالتوقف وغيَّر مسيره إلى جهة اليمين وتوجَّه نحو الغدير وقال: “أيها الناس، أجيبوا داعى الله، أنا رسول الله”.

ثم قال: “أنيخوا ناقتى، فوالله ما أبرح من هذا المكان حتى أبلغ رسالة ربى”; وأمرهم أن يردُّوا من تقدَّم من المسلمين ويوقفوا من تأخَّر منهم حين يصلون إليه.

وبعد أن صدر الأمر النبوي المذكور توقَّفت القافلة كلها، ورجع منهم من تقدم ونزل الناس في منطقة الغدير، وأخذ كل فرد يتدبَّر أمر إقامته هناك حيث نصبوا خيامهم وسكن الضجيج تدريجياً.

وشهدت الصحراء لأول مرة ذلك الاجتماع العظيم من الناس، وقد زاد من عظمته حضور الأنوار الخمسة المقدسة: النبى الأكرم وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن والحسين عليهم السلام; وقد اشترك في ذلك التجمع الجماهيري الرجال والنساء من مختلف الأقوام والقبائل والمناطق، وبدرجات متفاوتة من الإيمان، انتظاراً لخطبة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.

ونزل الرسول صلى الله عليه وآله عن ناقته وحطَّ رحال النبوة عند غدير خُمٍّ، وكان جبرائيل إلى جانبه ينظر إليه نظرة الرضا، وهو يراه يرتجف من خشية ربه وعيناه تدمعان خشوعاً وهو يقول: “تهديدٌ ووعدٌ ووعيدٌ… لأمضين فى أمر الله. فان يتَّهمونى ويكذِّبونى فهو أهون علىَّ من أن يعاقبنى العقوبة الموجعة فى الدنيا والآخرة”!

وكانت حرارة الصحراء ووهج الشمس من القوة والشدة بحيث أن الناس ـ ومنهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ـ وضعوا قسماً من ردائهم على رؤوسهم والقسم الآخر تحت أقدامهم، وقد بلغ الأمر لدى البعض أن لفُّوا عباءتهم حول أقدامهم من شدة حرارة أرض الصحراء!

الموقع الجغرافى لغدير خم14

تقع منطقة “غدير خم” في صحراء فسيحة على مسير السيول في وادي “الجحفة”، حيث يجري هذا المسيل من الشرق إلى الغرب في الشتاء، ويمرُّ بمنطقة الغدير، ثم ينتهي منه إلى الجحفة ثم منه إلى البحر الأحمر فيصب فيه.

وفي مسير هذه السيول تتولد بعض الواحات والغدران الطبيعية من تجمع المياه المتبقِّية في مخازن طبيعية للمياه طيلة العام، ويطلق على كل واحدة منها اسم “الغدير”.

وهناك العديد من الغدران في الحجاز، ويتميز “غدير خم” بأن ماءه كثير، ويوجد نبع صغير قربه من جبل صغير، وتوجد حوله خمسة أو ستة أشجار صحراوية خضراء كبيرة من نوع “السَمُر” صارت بأغصانها الكثيفة وقامتها الباسقة مكاناً ظليلا في تلك الصحراء، فاتخذوها مكاناً لنزول النبي صلى الله عليه وآله ونصبوا له المنبر فيه.

قاعة الغدير ومنبر الغدير15

دعا رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة من خواص أصحابه وهم المقداد وسلمان وأبا ذر وعمار، وأمرهم أن يهيِّؤوا المنبر تحت الأشجار القائمة على امتداد واحد. فقاموا بكسح الأشواك تحت تلك الأشجار ورفع الأحجار وقطع الأغصان المتدلِّية إلى الأرض، ونظَّفوا المكان ورشُّوه بالماء، ومدُّوا ثياباً بين شجرتين لتكميل الظلال، فصار المكان مناسباً.

ثم بنوا المنبر في وسط الظلال، فجعلوا قاعدته من الأحجار ووضعوا عليها بعض أقتاب الإبل، حتى صار بارتفاع قامة ليكون مشرفاً على الجميع يرون النبي صلى الله عليه وآله ويسمعون صوته، وفرشوا عليه بعض الثياب.

ونظراً لكثرة الناس فقد اختاروا “ربيعة” الذي كان جهوري الصوت لايصـال كلام النبـي صلى الله عليه وآله جملة جملة إلى من لا يصل إليه من جمهور المسلمين.

النبى صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام على المنبر16

وحان الوقت الموعود ونادى منادي الرسول صلى الله عليه وآله، فخرج المسلمون من الخيام واصطفوا للصلاة، وخرج النبي صلى الله عليه وآله من خيمته وصلى بهم صلاة الظهر.

ورقى النبي صلى الله عليه وآله المنبر ووقف على مرقاته الأخيرة، ثم دعا بأمير المؤمنين عليه السلام وأمره أن يصعد المنبر ويقف إلى يمينه. فجاء أمير المؤمنين عليه السلام ووقف على المنبر أدنى من موقف النبي صلى الله عليه وآله بمرقاة بحيث وضع النبي صلى الله عليه وآله يده على كتفه.

ثم ألقى النبي صلى الله عليه وآله ببصره الشريف يميناً وشمالا يتفحص ذلك الحشد الكبير من الناس وانتظر هنيئة كيما يصغى الناس بأسرهم. وكانت النساء في جانب من ذلك المكان يسمعن النبي صلى الله عليه وآله ويشاهدنه.

وشرع النبي صلى الله عليه وآله في خطبته التاريخية، آخر خطبة رسمية له إلى العالم أجمع، التي لم يذكر التاريخ خطبة لنبي من الأنبياء عبر التاريخ مثلها في مثل هذا الحشد المهيب.

وبدأ النبي صلى الله عليه وآله باسم الله تعالى وأخذ يرتِّل قصيدة نبوية في حمد الله تعالى والثناء عليه… ويشهد الله والناس على عبوديته المطلقة لربه العظيم.

ثم قال لهم: إن الله عز وجل بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً وخفت الناس أن يكذبوني; فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني: أمتي حديثو عهد بالجاهلية، ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمي يقول قائل ويقول قائل! فأتتني عزيمة من الله بتلة قاطعة في هذا المكان، وتواعدني إن لم أبلغها ليعذبني. وقد ضمن لي تبارك وتعالى العصمة من الناس، وهو الكافي الكريم; فأوحى إليَّ: “يا أيها الرسول، بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، ان الله لا يهدى القوم الكافرين”.

ثم قال صلى الله عليه وآله: لا إله إلا هو، لا يؤمن مكره ولا يخاف جوره. أقِرُّ له على نفسي بالعبودية وأشهد له بالربوبية، وأؤدي ما أوحى إليَّ، حذراً من أن لا أفعل فتحلَّ بي منه قارعةٌ لايدفعها عني أحدٌ، وإن عظمت حيلته. أيها الناس، إني أوشك أن أُدعى فأجيب، فما أنتم قائلون؟

فقالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت.

فقال صلى الله عليه وآله: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الجنة حقٌ وأن النار حقٌ وأن البعث حق؟

قالوا: يا رسول الله، بلى.

فأومأ رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صدره وقال: وأنا معكم.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا لكم فرط، وأنتم واردون عليَّ الحوض; وسِعته ما بين صنعاء الى بصرى; فيه عدد الكواكب قِدْحان; ماؤه أشد بياضاً من الفضة… فانظروا كيف تخلفونى فى الثقلين.

فقام رجل فقال: يا رسول الله، وما الثقلان؟

قال صلى الله عليه وآله: الأكبر كتاب الله، طرفه بيد الله وسبب طرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تزلُّوا ولا تضلوا; والأصغر عترتي أهل بيتي. أُذكِّركم الله في أهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي، أُذكِّركم الله في أهل بيتي. وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض. سألت ربي ذلك لهما; فلا تقدِّموهم فتهلكوا; ولا تتخلفوا عنهم فتضلوا; ولا تعلِّموهم فإنهم أعلم منكم. أيها الناس، ألستم تعلمون أن الله عز وجل مولاى، وأنا مولى المؤمنين، وأنى أولى بكم من أنفسكم؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال صلى الله عليه وآله: “قم يا على”. فقام على عليه السلام، وأقامه النبي صلى الله عليه وآله عن يمينه وأخذ بيده ورفعها حتى بان بياض إبطيهما وقال: “من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدِر الحق معه حيث دار. فاعلموا معاشر الناس أن الله قد نصبه لكم ولياً واماماً مفترضاً طاعته على المهاجرين والأنصار، وعلى التابعين لهم باحسان، وعلى البادى والحاضر، وعلى الأعجمى والعربى، والحر والمملوك والصغير والكبير”.

فقام أحدهم فسأله وقال: يا رسول الله، ولاؤه كما ذا؟

فقال صلى الله عليه وآله: ولاؤه كولائى، من كنت أولى به من نفسه فعلى أولى به من نفسه!

وأفاض النبي صلى الله عليه وآله في بيان مكانة علي عليه السلام والعترة الطاهرة والأئمة الاثني عشر من بعده: علي والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام، واحدٌ بعد واحد، الذين هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقونه ولا يفارقهم، حتى يردوا عليَّ حوضي…

ثم أشهد المسلمين مرات أنه قد بلغ عن ربه… فشهدوا له.

وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب… فوعدوه وقالوا: نعم.

وقام إليه آخرون فسألوه… فأجابهم…

وما أن أتم خطبته حتى نزل جبرائيل بقوله تعالى “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام ديناً”. فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وولاية علي بعدي…

هذا ملخص الخطبة المباركة و سنعطيك تفصيلها إن شاء الله.

مفصل خطبة النبى صلى الله عليه وآله يوم الغدير17

ربما استغرقت خطبة النبي صلى الله عليه وآله في الغدير نحو ساعة، لأنها كانت شاملة ومفصلة. وقد قسَّمناها إلى إحدى عشرة فقرة:

1- العبودية والتسليم لله

في الفقرة الأولى من الخطبة بدأ النبي صلى الله عليه وآله بحمد الله والثناء عليه، ذاكراً صفاته وقدرته ورحمته، شاهداً على نفسه بالعبودية المطلقة أمام الذات المقدسـة، فقـال: “وأومن به وبملائكته وكتبه ورسله. أسمع لأمره وأطيع وأبادر الى كلِّ ما يرضاه، وأستسلم لما قضاه…”.

2- يا أيها الرسول بلِّغ!

ثم ألفت النبي صلى الله عليه وآله المسلمين إلى الهدف الأصلي من الخطبة، وأخبرهم أن الوحي نزل عليه بهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾18، وأني يجب عليَّ أن أبلغكم الأمر الإلهي في علي بن أبي طالب، وإن لم أفعل فلا يؤمن عليَّ من عذاب الله وعقابه!

ثم قال صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل هبط إلي مراراً ثلاثاً يأمرني عن السلام ربي وهو السلام أن أقوم في هذا المشهد، فأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي على أمتي والإمام من بعدي الذي محله مني محل هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، وهو وليكم بعد الله و رسوله وقد أنزل الله تبارك وتعالى عليَّ بذلك آية من كتابه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾19، وعلي بن أبي طالب الذي أقام الصلاة وآتى الزكاة وهو راكعٌ يريد الله عز وجل في كل حال.

ثم قال: لا يرضى الله منى الا أن أبلِّغ ما أنزل الله الىَّ فى حق علىٍّ.

3- البشارة النبوية باثنى عشر إماماً إلى آخر الدنيا

وفي الفقرة الثالثة أعلن النبي صلى الله عليه وآله إمامة اثني عشر إماماً من عترتة إلى آخر الدنيا، لكي يقطع بذلك طمع الطامعين بالسلطة بعده نهائياً.

ومن أجل أن يدرك الناس أهمية هذه المسألة قال صلى الله عليه وآله: إنه آخر مقام أقومه في هذا المشهد، فاسمعوا وأطيعوا وانقادوا لأمر الله ربكم. فإن الله عز وجل هو ربكم ووليكم وإلهكم; ثم من دونه رسوله محمدٌ وليكم القائم المخاطب لكم; ثم من بعدى علىٌّ وليُّكم وامامكم بأمر الله ربكم; ثم الامامة فى ذريتى من ولده الى يوم القيامة، يوم تلقون الله ورسوله.

ومن النقاط المهمة في هذه الخطبة الشريفة بيان النبي صلى الله عليه وآله عصمة الأئمة من بعده ونيابتهم عن الله تعالى ورسوله في أمور الدين والدنيا، حيث قال صلى الله عليه وآله: “لا حلال الا ما أحله الله ورسوله وهُم، ولا حرام الا ما حرَّمه الله عليكم ورسوله وهُم، والله عز وجل عرَّفنى الحلال والحرام، وأنا أفضيت بما علَّمنى ربى من كتابه وحلاله وحرامه اليه”.

معاشر الناس، انه امامٌ من الله، ولن يتوب الله على أحد أنكر ولايته.

معاشر الناس، بي والله بشَّر الأولون من النبيين والمرسلين، وأنا والله خاتم الأنبياء والمرسلين والحجة على جميع المخلوقين من أهل السماوات والأرضين. فمن شك فى ذلك فقد كَفَر كُفْر الجـاهلية الاولى، ومن شك فى واحد من الأئمة فقد شك فى الكل منهم، والشاك فينا فى النار.

ألا إن جبرائيل خبَّرني عن الله تعالى بذلك ويقول: “من عادى علياً ولم يتولِّه فعليه لعنتى”. فوالله لن يبيَّن لكم زواجره ولن يوضح لكم تفسيره إلا الذي أنا آخذٌ بيده ومصعده إليَّ وشائلٌ بعضده ورافعه بيديَّ، ومُعلِمكم أنَّ من كنت مولاه فهذا على مولاه، وهو علي بن أبي طالب أخي ووصيي، وموالاته من الله عز وجل أنزلها عليَّ.

ثم أوضح النبي صلى الله عليه وآله ببيانه الرائع ارتباط ركني الإسلام: القرآن والعترة، فقال: “معاشر الناس، إن علياً والطيبين من ولدي من صلبه هم الثقل الأصغر، والقرآن هو الثقل الأكبر. فكل واحد منهما منبئٌ عن صاحبه وموافق له; لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض.

ثم قال بلهجة حاسمة تبيِّن مقام صاحب الغدير: “ألا انه لا أمير المؤمنين غير أخى هذا! ألا لاتحل امرة المؤمنين بعدى لأحد غيره”.

4- من كنت مولاه فهذا على مولاه

عند ما كان أمير المؤمنين عليه السلام واقفاً على المنبر إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله أدنى منه بمرقاة، قال صلى الله عليه وآله له: “ادن مني”. فاقترب منه أمير المؤمنين عليه السلام فأمسك النبي صلى الله عليه وآله بعضديه ورفع علياً عليه السلام من مكانه حتى حاذت قدماه ركبة النبي صلى الله عليه وآله وشاهد الناس بياض إبطيهما، وقال: “من كنت مولاه فهذا على مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله”.

وبعد هذا المقطع من الخطبة الشريفة أعلن النبي صلى الله عليه وآله للناس نزول ملك الوحي عليه يخبره عن إكمال الدين وإتمام النعمة بولاية أمير المؤمنين عليه السلام: “اللهم إنك أنزلت الآية في عليٍّ وليِّك عند تبيين ذلك ونصبك إياه لهذا اليوم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾20; وقلت: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾21. اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيداً أني قد بلَّغت.

5- إكمال الدين وإتمام النعمة بولاية على عليه السلام

في الفقرة الخامسة قال النبي صلى الله عليه وآله: معاشر الناس، إنما أكمل الله عز وجل دينكم بامامته; فمن لم يأتمَّ به وبمن يقوم مقامه من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة، والعرض على الله عز وجل فاولئك الذين هبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون. نبيكم خير نبيٍّ ووصيُّكم خير وصيٍّ، وبنوه خير الأوصياء.

معاشر الناس! ذرية كل نبي من صلبه، وذريتي من صلب عليٍّ.

ألا إنه لا يبغض علياً إلا شقي، ولايوالي علياً إلا تقي، ولا يؤمن به إلا مؤمنٌ مخلصٌ.

ونظـراً إلـى قوله تعالى في الآية ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ قال النبي صلى الله عليه وآله: معاشر الناس، قد استشهدت الله وبلَّغتكم رسالتي، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

معاشر الناس، اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

6- تحذير المسلمين من مؤامرة السقيفة

بعد أن تلا النبي صلى الله عليه وآله عدة آيات التحذير من العذاب واللعنة، قال: بالله مـا عنـى بهـذه الآية إلا قوماً من أصحابي أعرفهم بأسمائهم وأنسابهم وقد أمـرت بالصفـح عنهـم، لأن الله عز وجل قد جعلنا حجةً على المقصرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والآثمين والظالمين والغاصبين من جميع العالمين.

وفي هذا المقطع أشار صلى الله عليه وآله إلى خلق نوره ونور أهل بيته وقال: “معاشر الناس، النور من الله عز وجل مسلوكٌ فيَّ، ثم في علي بن أبي طالب، ثم في النسل منه إلى القائم المهدي، الذي يأخذ بحق الله…”.

ثم أشار صلى الله عليه وآله إلى أعدائهم الأئمة الذين يدعون إلى النار وقال: معاشر الناس، إنه سيكون من بعدي أئمةٌ يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون.

معاشر الناس، إن الله تعالى وأنا بريئان منهم.

معاشر الناس، إنهم وأنصارهم وأشياعهم وأتباعهم، في الدرك الأسفل من النار.

ثم أشار النبي صلى الله عليه وآله إلى وثيقة صحيفة المؤامرة التي كتبها بعض صحابته في حجة الوداع في مكة ووقَّعوا عليها، فقال: ألا إنهم أصحاب الصحيفة، فلينظر أحدكم في صحيفته! وقد بلَّغت ما أمرت بتبليغه، حجةً على كل حاضر وغائب، وعلى كل أحد ممن شهد أو لم يشهد، وُلِد أو لم يولد. فليبلغ الحاضرُ الغائبَ، والوالدُ الولدَ إلى يوم القيامة.

ثم قال: “وسيجعلون الإمامة بعدى ملكاً واغتصاباً. ألا لعن الله الغاصبين والمغتصبين”.

ثم ذكر النبي صلى الله عليه وآله قانون الامتحان الإلهي وعاقبة الغاصبين للخلافة فقال: معاشر الناس، إنَّ الله عز وجل لم يكن ليذركم على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب.

معاشر الناس! إنه ما من قرية إلا والله مهلكها بتكذيبها قبل يوم القيامة ومُمَلِّكها الإمام المهدي، والله مصدقٌ وعده.

7- فريضة مودة أهل البيت عليهم السلام وولايتهم

ثم بيَّن النبى صلى الله عليه وآله بركات ولاية أهل البيت عليهم السلام ومحبتهم، وتلا على الناس سورة الحمد التي هي أم الكتاب وقال: “فيَّ نزلَت وفيهم والله نزلت، ولهم عمَّت وإياهم خصَّت. أولئك أولياء الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون…”.

ثم تلا صلى الله عليه وآله آيات من القرآن الكريم تتحدث عن أصحاب الجنة وأوضح أن المقصود بهم الشيعة وأتباع أهل البيت عليهم السلام. ثم تلا صلى الله عليه وآله آيات عن أصحاب النار وصرح بأن المراد بهم أعداء أهل البيت عليهم السلام.

ومما قاله صلى الله عليه وآله: ألا إن أولياءهم الذين يدخلون الجنة بسلام آمنين، تتلقاهم الملائكة بالتسليم يقولون: “سلامٌ عليكم، طِبتم فادخلوها خالدين”.

ثم نص على الأئمة من بعده وعيَّنهم قائلا: “معاشر الناس، ألا وإني رسول وعلي الإمام والوصي من بعدي، والأئمة من بعده ولده. ألا وإني والدهم وهم يخرجون من صلبه”.

8- بشارة النبى صلى الله عليه وآله بالإمام المهدى عجل الله فرجه

وفي مقطع آخر من خطبة الغدير تطرَّق النبي صلى الله عليه وآله إلى ذكر الإمام المهدي أرواحنا فداه، فذكر أوصافه وبشَّر العالَم بالعدل والقسط على يده، فقال:

ألا إن خاتم الأئمة منا القائم المهدي. ألا إنه الظاهر على الدين. ألا إنه المنتقم من الظالمين. ألا إنه فاتح الحصون وهادمها. ألا إنه غالب كل قبيلة من أهل الشرك وهاديها.

ألا إنه المدرك بكل ثار لأولياء الله. ألا إنه الناصر لدين الله.

ألا إنه الغَرّاف من بحر عميق. ألا إنه يَسِمُ كل ذي فضل بفضله وكل ذي جهل بجهله. ألا إنه خيرة الله ومختاره. ألا إنه وارث كل علم والمحيط بكل فهم.

ألا إنه المخبر عن ربه عز وجل والمشيِّد لأمر آياته. ألا إنه الرشيد السديد. ألا إنه المُفوَّض إليه.

ألا إنه قد بشَّر به من سلف من القرون بين يديه. ألا إنه الباقي حجةً ولا حجة بعده ولا حق إلا معه ولا نور الا عنده.

ألا إنه لا غالب له ولا منصور عليه. ألا وإنه وليُّ الله في أرضه، وحَكَمه في خلقه، وأمينه في سِرِّه وعلانيته.

9- أمر النبى صلى الله عليه وآله المسلمين ببيعة على عليه السلام

ثم تطرَّق إلى مسألة البيعة وبيَّن أهميتها وقيمتها وقال صلى الله عليه وآله: فأمرت أن آخذ البيعة منكم والصفقة لكم بقبول ما جئت به عن الله عز وجل في علي أمير المؤمنين والأوصياء من بعده الذين هم مني ومنه إمامةً فيهم قائمة، خاتمها المهدي إلى يوم يلقى الله الذي يقدِّر ويقضي.

ألا وإني قد بايعت الله، وعلي قد بايعني، وأنا أخذكم بالبيعة له عن الله عز وجل. ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾22.

10- مستقبل الأمة والمصاعب الثقيلة

وفي خطبة الغدير تنبَّأ النبي صلى الله عليه وآله بمستقبل المسلمين وما سيواجهونه من مصاعب، وعيَّن لهم أمير المؤمنين عليه السلام المرجع في ذلك، فقال صلى الله عليه وآله: فإن طال عليكم الأمد فقصَّرتم أو نسيتم فعليٌّ وليكم ومبينٌ لكم، الذي نصبه الله عز وجل لكم بعدي أمين خلقه. إنه مني وأنا منه وهو ومن تخلُف من ذريتي يخبرونكم بما تسألون عنه ويبيِّنون لكم ما لا تعلمون.

ثم قال: “معاشر الناس، وكل حلال دللتكم عليه وكل حرام نهيتكم عنه، فانى لم أرجع عن ذلك ولم أبدل. ألا فاذكروا ذلك واحفظوه وتواصوا به ولا تبدلوه ولا تغيروه…”.

كما أوجب النبي صلى الله عليه وآله على المسلمين إبلاغ خطاب الغدير إلى غيرهم تطبيقاً لأنه أعظم مصداق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال: “ألا وان رأس الأمر بالمعروف أن تنتهوا الى قولى، وتبلِّغوه من لم يحضر، وتأمروه بقبوله عنى وتنتهوه عن مخالفته، فانه أمرٌ من الله عز وجل ومنى. ولا أمر بمعروف ولا نهى عن منكر الا مع امام معصوم”.

11- الايمان والرضا بالأئمة الاثنى عشر من العترة

في آخر فقرة من الخطاب النبوي أخذ صلى الله عليه وآله في أمر البيعة قائلا: معاشر الناس، إنكم أكثر من أن تصافقوني بكف واحد في وقت واحد، وقدأمرني الله عز وجل أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقَّدت لعليٍّ أمير المؤمنين ولمن جاء بعده من الأئمة مني ومنه على ما أعلمتكم أن ذريتي من صلبه. فقولوا بأجمعكم:

انا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلَّغت عن ربنا وربك فى أمر امامنا على أمير المؤمنين ومن ولدت من صلبه. نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا. على ذلك نحيى وعليه نموت وعليه نبعث. ولا نغيِّر ولا نبدِّل، ولا نشكُّ، ولا نجحد ولا نرتاب، ولا نرجع عن العهد، ولا ننقض الميثاق. وعظتنا بوعظ الله فى على أمير المؤمنين والأئمة الذين ذكرت من ذريتك من ولده بعده: الحسن والحسين ومن نصبه الله بعدهما. فالعهد والميثاق لهم مأخوذٌ منا من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وضمائرنا وأيدينا. من أدركها بيده والا فقد أقرَّ بلسانه. ولا نبتغى بذلك بدلا ولا يرى الله من أنفسنا حولا. نحن نؤدى ذلك عنك الدانى والقاصى من أولادنا وأهالينا، ونُشهد الله بذلك وكفى بالله شهيداً وأنت علينا به شهيدٌ.

فاستجاب المسلون وفعلوا ما أمرهم به النبي صلى الله عليه وآله وردَّدوا ما قاله، وتمَّت البيعة العامة بهذه الصورة، والنبي صلى الله عليه وآله واقف على المنبر.

وطلب صلى الله عليه وآله منهم أن يشكروا الله على هذه النعمة حيث أن الله تعالى لم يوكلهم إلى أنفسهم في اختيار خليفة، بل اختار لهم الأصلح بعلمه وألزمهم بالقبول.

وفي ختام الخطبة الشريفة دعا النبي صلى الله عليه وآله للمبايعين كما دعا على المعاندين، وختم خطبته الشريفة بالحمد لله رب العالمين.

مراسيم الغدير فى أيامه الثلاث

التهنئة بالولاية23

وبعد انتهاء النبي صلى الله عليه وآله من خطبته ضج الناس قائلين: “نعم، سمعنا وأطعنا لأمر الله ورسوله بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا”.

ثم إنهم ازدحموا على النبي وأمير المؤمنين عليهما السلام وتسابقوا لإعطاء البيعة لعلي بن أبي طالب عليه السلام، وهنا قال النبي صلى الله عليه وآله: “الحمد لله الذى فضلنا على جميع العالمين”.

ومن الواضح أن النبي صلى الله عليه وآله لم يفرح في كل انتصاراته وفتوحاته كما فرح في يوم الغدير، حيث أمر المسلمين بتهنئة علي عليه السلام لمقام الإمامة وقال: “ان الله خصَّنى بالنبوة وأهل بيتى بالامامة”.

وقد قال عمر بن الخطاب لأمير المؤمنين عليه السلام في ذلك اليوم بعد بيعته له: “بخ بخ لك يا على! هنيئاً لك يا أبا الحسن! فقد أصبحت مولاى ومولى كل مؤمن ومؤمنة”!

وأمر النبي صلى الله عليه وآله مناديه أن يمشي بين الناس ويكرر عليهم جوهر بيعة الغدير بهذه العبارة: “من كنت مولاه فهذا على مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله”.

بيعة الرجال24

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد وعدهم ضمن خطبته بأنه سوف يأخذ منهم البيعة حين الانتهاء من الخطبة الشريفة وقال: “ألا وانى عند انقضاء خطبتى أدعوكم الى مصافقتى على بيعته، والاقرار به، ثم مصافقته بعدى. ألا وانى قد بايعت الله وعلى قد بايعنى، وأنا آخذكم بالبيعة له عن الله عز وجل”.

إن بيعة الغديرتعني الالتزام والعهد والوفاء لولاية الأئمة المعصومين الاثني عشر عليهم السلام وقد أقرَّ بها جميع المسلمين بحضور النبي صلى الله عليه وآله./انتهى/

المصدر : شبكة المعارف