حديث الغدير الذي نطق به رسول الله ص وأوصى فيه بالخلافة من بعده إلى سيد الوصيين وإمام المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام مشهود له من قبل علماء الإسلام الحقيقيين، وهو كالشمس في رابعة النهار.ووقوف رسول الله ص في غدير خم وإلقائه لذلك الحديث الذي يعتبر من الحوادث البارزة في التأريخ الإسلامي . وقد رواه أكثر من مائة وعشرين صحابيا ، وقد روته أمهات المصادر الإسلامية. ومصادره الصحيحة الثابتة أكثر من أن تحصى . .

وعلى سبيل المثال لا الحصر ذكره ابن كثير وأبن الجوزي والزبيدي صاحب تاج العروس والسيوطي ومسند إبن حنبل واليعقوبي وغيرهم الكثير والحديث الذي ينقله اكثر من أربعة موثوق بهم يعتبر حديثا صحيحا متواترا. حيث نزلت الآية الكريمة:

بسم الله الرحمن الرحيم:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.) المائدة -67.

فما كان من رسول الله ص إلا أن امتثل لأمر الله جلت قدرته وهو في ذلك المكان الذي يقع خارج مكة ومنه تفترق الطرق إلى اليمن والعراق والشام ومصر.

ففي تلك الظهيرة القائظة والصحراء الشاسعة المدى وقف رسول الله ص مع جمع كبير من الصحابة حتى أن الناس كانوا يضعون ثيابهم تحت أرجلهم من شدة حرارة الرمال فصعد الرسول الكريم ص على حدوج الأبل ( أسرجة الأبل ) وقال ص أمام ذلك الجمع الحاشد من المسلمين والذي كان يعد بالآلاف:

( ألا أيها الناس أنما أنا بشر يوشك أن أدعى فأجيب نداء ربي وأني مسؤول وأنتم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟) فأجابوا : نشهد أنك بلغت ونصحت فجزاك الله خيرا .

فبادر بالقول مرة أخرى:

( أليس تشهدون أن لاأله الا الله وأن محمدا رسول الله وأن الجنة حق وأن النار حق ؟) قالوا بلى نشهد على ذلك.

ثم قال اللهم أشهد: ثم عقب بقوله ص :

(ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم .؟)

قالوا نعم يارسول الله. ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب ع حتى بان بياض أبطه وقال :

(أيها الناس الله مولاي وأنا مولاكم فمن كنت مولاه فهذا على مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأحب من أحبه وابغض من أبغضه وأدر الحق معه حيث دار.)

فأجابوا سمعنا وأطعنا يارسول الله.

فلما أكمل النبي ص من نصب الخيمه أمر المسلمين بأن يدخلوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع فوجا فوجا ليهنئوه بمقامه الجديد ويسلموا عليه بإمرة المسلمين بعد رسول الله ص ففعل الناس كلهم ذلك وفي مقدمتهم كبار الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وقالا له :

( بخ بخ لك ياابن أبي طالب اليوم أصبحت مولانا ومولى كل مسلم ومسلمه.) فنزلت الآية الكريمة:

بسم الله الرحمن الرحيم :

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا .)المائدة – الآية -3

فجاء النعمان بن الحارث الفهري إلى النبي ص فقال :

أمرتنا عن الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله فشهدنا وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها , ثم لم ترض حتى نصبت بن عمك علينا فقلت من كنت مولاه فهذا علي مولاه فهل هذا منك أم من الله ؟ ! فأجاب الرسول ص :

(والله الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله .)

فولى النعمان بن الحارث وجهه وهو يقول :

(اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء فلما بلغ باب المسجد رماه الله بحجر على رأسه فقتل في الحال ونزلت الآية الكريمة:

بسم الله الرحمن الرحيم:

(سَاَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ . للكافِريْنَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ. من اللًهِ ذِي آلمَعارجِ . ) سورة المعارج.

ورد في كتاب (حجة الوداع للعاملي):

( قال الله تعالى في مطلع سورة المعارج :

سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ، من الله ذي المعارج . . . إلى آخر السورة الكريمة التي تبلغ 44 آية. استنفار قريش بعد الغدير : تحركت قافلة النبوة والإمامة من غدير خم نحو المدينة . وسكن قلب النبي ص واطمأن. لكن قريشا لم تسكن، بل صارت في حالة غليان من الغيظ ! هكذا تقول الأحاديث ومنطق الاحداث.)

وكان الشاعر المعروف حسان بن ثابت الأنصاري الملقب بشاعر الرسول ص حاضرا في تلك الساعه فقال أتأذن لي يارسول الله أن أقول أبياتا ؟ فأجابه رسول الله ص ( قل ببركة الله تعالى ) فأنشد :

يناديهم يوم الغدير نبيهم
بخم وأسمع بالرسول مناديا

بأني مولاكم نعم ووليكم
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

ألهك مولانا وأنت ولينا
ولا تجدن في الخلق للأمر عاصيا

فقال له : قم ياعلي فأنني
رضيتك من بعدي أماما وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه
فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا : اللهم وال وليه
وكن للذي عادى عليا معاديا

وقد روى هذه الأبيات الخوارزمي في مقتل الأمام الحسين ع الجزء الأول ص 47 . والحافظ أبو نعيم كما في النور المشتعل ص 57 وأبن الجوزي في تذكرة الخواص ص33. والكنجي في كفاية الطالب ص 64 وغيرهم من المؤرخين.وأورد هنا ثلاثة مصادر من مصادر أخواننا السنه المعروفة التي ذكرت هذا الحدث التأريخي المشهود من بين العشرات من المصادر:

1 – روى الحاكم النيسابوري في الجزء الثالث ص 110ميلي: (عن أبن وائلة أنه سمع زيد بن أرقم رض يقول :

نزل رسول الله ص بين مكة والمدينه عند شجرات خمس دوحات عظام , فكنس الناس ماتحت الشجرات , ثم راج رسول الله ص عشية فصلى , ثم قام خطيبا , فحمد الله وأثنى عليه , وذكر ووعظ , فقال ماشاء الله أن يقول ثم قال : أيها الناس :

( أني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتوهما, وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي . ثم قال أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات , فقالوا نعم فقال رسول الله ص:

( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ).

2 – روى الأمام أحمد بن حنبل في مسنده : ج1 ص281: عن البراء بن عازب قال :

( كنا مع رسول الله ص في سفر فنزلنا بغدير خم , فنودي فينا : الصلاة جامعه . وكسح لرسول الله ص تحت شجرتين , فصلى الظهر ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب رض فقال:

(ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟قالوا بلى قال : فأخذ بيد علي فقال:

(من كنت مولاه فعلي مولاه , اللهم وال من والاه وعاد من عاداه .قال : فلقيه عمر بعد ذلك فقال له ? هنيئا يا ابن أبي طالب , أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة )

3 -وقال ابن حجر في فتح الباري ج7, ص61:

( وأما حديث من كنت مولاه فعلي مولاه فقد أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جدا وقد استوعبها أبن عقده في كتاب مفرد وكثير من أسانيدها صحاح وحسان , وقد روينا عن الإمام أحمد قال :

(مابلغنا عن أحد من الصحابة مابلغنا عن علي بن أبي طالب )

هذا غيض من فيض ذكرته بالنص وهناك الكثير من المصادر لاتسعها عشرات المقالات وقد تناول هذا الحدث الكبير العلامة الأميني في ثلاثة عشر مجلدا تم طبعها في بيروت .

ولكن الذي يثير استغراب كل محقق وباحث إسلامي منصف وصادق أن العديد من المشايخ اليوم من التيار الوهابي ينكرون هذه الحقائق الناصعة بإصرار غريب. وآخرون يفسرون كلمة ( مولى )حسب ماتشتهي أنفسهم. وإن دل على شيئ فإنه يدل على التعصب والجهل أحيانا بهذه الحقيقة الإسلامية الثابتة . وكل المعاني التي آستعملت فيها كلمة ( المولى ) في اللغة العربية هي الأولوية ومعناها اللغوي الدقيق هي ( أولى بكم . حيث قال الله في محكم كتابه العزيز :

بسم الله الرحمن الرحيم :

( وَآعْتَصِمُوا بِاللًهِ مَوْلاكُم ُ فَنِعْمَ آلْمَوْلى وَنِعْمَ آلنًصِيْرُ.) الحج-78.

( بَلِ آللًهُ مَوْلاكُم وَهوَ خَيْرُ آلنًاصِرِيْنَ .)آل عمران -150.

ومثلما ينكرون حديث الثقلين الذي تذكره عشرات المصادر الصحيحة ومنها صحيح مسلم والذي يعتبرونه مصدرا رئيسيا بعد القرآن والسنة. ومنهم من يذهب إلى أبعد من ذلك وينكر معظم حاديث الرسول الكريم بحق آهل البيت ع وينسبها إلى غيرهم . تضاف إليها التجنيات التي يطلقونها في الفضائيات الكثيرة المعدة لغرض زرع الفتنة بين المسلمين فقط. وهذا هو السبب الرئيس الذي يفرق المسلمين اليوم ويفت في عضدهم. وقد سمعت وقرأت العديد من ادعاءاتهم التي لاتقنع حتى الطفل الصغير. وقد سمعت من أحدهم يقول:

(أن الموالاة تعني المودة والمحبة فقط لأن بعض الصحابة أشتكوا عند الرسول ص من علي بن أبي طالب ع!!! ).ثم فسر كلمة (وال ) من ولاه أي أحبه وليست لها علاقة بالإمامة على المسلمين والخلافة عليهم !!!. ولو كان هذا الأمر صحيحا لأعلنه الرسول ص على جبل عرفات وليس في غدير خم لأن جبل عرفات أهم من غدير خم.!!!)

وغير ذلك من الحجج الواهية التي لاتستند إلى أي منطق لغوي أو سند صحيح. وما دروا أن كل الأرض المحيطة بمكة هي أرض قدس الله فيها كل ذرة من رمالها. وأن الله جلت قدرته هو الذي أمر بإعلان ولاية الأمام علي ع خليفة ووليا للمسلمين بعد رسول الله ص من ذلك المكان وأن كل الادعاءات التي أوردوها وحاولوا فيها حجب نور الشمس بغرابيلهم المهترئة لم تجد نفعا وسيبقى هذا اليوم يوما مشهودا وحافلا وعظيما يحتفي فيه الملايين من المسلمين الذين يؤمنون بالله ورسوله وولاية علي بن أبي طالب ع من بعده وسمي عيدا لأنه يعود بالخير والغبطة والسرور على أهله بعد قيامهم بطاعة الله وبلوغ رضوانه وأقول لكل منكر وجاحد لحديث الغدير ليس بقادح في جمال الربيع صدود من لايعشق الجمال. ولا أقوله من باب التعصب للمذهب الذي أعتنقه. فمن شاء فلينشر ومن شاء فليصادر مقالي هذا. وصدق الشاعر البوصيري حين قال :

قد تنكر العين نور الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم


كتبه: جعفر المهاجر