لقد هالكم صمودنا ، وأفقدكم صوابكم ثباتنا ، وأما إنجازاتنا فقد ملأت نفوسَكم غيضا ، وزادتكم لنا كرها ، وحبا للانتقام منا ، فانطلقتم أبواقا لأبالسة العصر أسيادكم وأولياء نعمتكم ، تأخذون علينا أنَّا لم نقتل معاهدا عاهدناه ، ولم نسبِ نساءه وذراريه ، تفعلون كل ذلك لمجرد النقض علينا ، وتوجيه اللوم إلينا ، وإثباتا انكم ما زلتم أحياء ، وعسى ذلك يخفف عليكم وطأة الهزيمة . وهذا ما لا نرى فيه مشكلة ولا حالة مزعجة .

تلك هي حالكم وهذي صفاتكم ، ومن كانت هذه صفاته وحاله وعادته وأمنياته فكيف لا يستغرب أخلاقنا ورحمتنا وصدقنا ووفاءنا في عهودنا وحفظنا لمواثيقنا ؟!!!.

إنا ننتمي إلى القرآن الكريم الذي أوصانا بأن نفي بالعهد إذا ما عاهدنا  فقال : وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34 الإسراء) وقال : إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4 التوبة). وقال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6 التوبة) .

وإنا ننتمي إلى مدرسة رسول الله محمد (ص) ، الرحمة المهداة إلى جميع العالمين ، الذي كان يوصي سراياه فيقول : سيروا باسم الله وبالله ، وفي سبيل الله ، وعلى ملة رسول الله ، ولا تَغُلّوا ، ولا تُمَثِّلوا ، ولا تَغْدُروا ، ولا تَقْتُلوا شيخاً فَانِياَ ، ولا صَبِيَّاً ، ولا امْرأةً ، ولا تَقْطَعوا شَجَراً إلا أن تَضْطرّوا إليها ، وأيُّما رَجُلٍ مِنْ أدنى المُسلِمينَ وأَفْضَلِهِمْ  نَظَرَ إلى أحدٍ مِنَ المُشركينَ فَهوَ جارٌ ( أي يجيره المسلم ويصير المشرك في حمايته ) حتَّى يَسْمَعَ كلامَ اللهِ ، فإذا سَمِعَ كلامَ اللهِ عَزَّوَجَلَّ فإن تَبِعَكُمْ فَأَخُوْكُمْ في دِيْنِكُمْ ، وإن أبَى فاسْتَعِيْنُوا بِاللهِ عليهِ وأَبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ .

وإنا ننتمي إلى مدرسة علي بن أبي طالب (ع) الذي أوصى عسكره قبل لقاء العدو بصفّين : لاَ تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى حُجَّة، ‏وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإذَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِإذْنِ اللهِ فَلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلاَ تُصيِبُوا مُعْوِراً، ‏وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيح ،لاَ تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذىً، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالاَْنْفُسِ وَالْعُقُولِ، ‏إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَمُشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْهِرَاوَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ.

هذه هي أخلاقنا ، وتلك قيمنا ، وعلى هذا كانت سيرة أسلافنا وعلى ذلك نمضي ، وإنا لنقاتل دفاعا عن الإنسان ، وذودا عن كرامته ، وصونا لحقوقه ، ولسنا نحب الحرب للحرب ، بل نلجأ إليها كآخر الخيارات المتاحة ، وإنا لنَطْمَعُ في إصلاح العدو وصلاحه فذلك أحب إلينا من أن نقتله ، وإنا والله لنحزن على من غَرَّرَ بهم الطغاة والمستكبرون واستجلبوهم من كل حَدَبٍ وصوبٍ ، خدمة لمصالحهم وتحقيقا لأهدافهم الخبيثة ، وما دخلنا حربا إلا وكانت مفروضة علينا ، فكنا مُعْتَدى عليهم لا معتدين ، ومهجومٌ علينا لا مُهاجِمِيْن ، فإن أمكن الصلح فبها ونعمت ، وإن أمكن توفير الدماء فهو الأولى عقلا وشرعا ، وإن أمكن الإبتعاد عن التدمير والتخريب بالمعاهدات فهو الألزم عقلا وشرعا وقانونا ، وإن أمكن صون الثروات فهو الأولى ، ولو كان ذلك بالصلح والمعاهدة .

نعم : إنكم لن تفهمونا ولو بعد حين ، وسيطول تعجبكم من أفعالنا ما طال بقاؤكم ، لأنا مختلفون عنكم ، فلكم دينكم ، ولنا ديننا ، ولكم منطلقاتكم ، ولنا منطلقنا ولكم أهدافكم ، ولنا أهدافنا ، وإنا لنحرص أن نكون النموذج في الحرب كما في السلم ، والمثال الأنقى والأرقى ، حين تشب نار الحرب ، وحين تضع أوزارها . نريد لهذا العالم أن يتأسس على رعاية العهود ، واحترام المواثيق ،  وحفظ الذمم ، وصون الكرامة ، وإعطاء الحقوق ، وهذه هي مكاسبنا التي نريد أن نكسبها ، وتلك أهدافنا التي نخوض الحرب لأجلها .

أما أنتم فالحرب نفسها مطلبكم ، والدمار نفسه هدفكم ، والقتل ذاته خياركم الأول والأخير ، تستمرؤون التدمير والقتل ، والتخريب والسحل، وتَسْكَرون على الدماء ، ولا تفرقون بين الأعداء والأبرياء ، وتنتشون لرؤية الأشلاء ، وتعتاشون على الفتن ، وفي النهاية لا الحربَ تكسبون ، ولا الأخلاقَ تحفظون ، وعندما يُسقَطُ في أيديكم ، تلجؤون إلى الصراخ والزعيق ، والتباكي والعويل . فازعقوا وأزبدوا ، وجعجعوا واصرخوا، فما أفاد الصراخ يوما ، ولا أغنى البكاء ، ولن يغنيكم كل ذلك الآن ، وكيف يغنيكم وقد جاء نصر الله والفتح ؟!.

السيد بلال وهبي
صبيحة يوم الإثنين الواقع في : 4/9/2017 . الساعة ( 09:18 ) – بيروت


كتبه: رصد الموقع