إيمان بشير | حسناً، كان سيطلّ بيننا، في عيد مولده الـ57، ليحتفي معنا بالنصر، بالتحرير الثاني، كما أطلّ يوم التحرير الأول، لمحبته للناس، وقربه من جمهور المقاومة.

ليكون بينهم، لأنهم منهم ولهم. يصحّح عباراته مباشرة على الهواء، حتى اللغة العربية ممنوعة لديه من الخطأ، ولو كان الخطاب ارتجالياً. يلقّن العدو درساً، يقولها بصريح العبارة، وبشكل عرضي في سياق الحرب النفسية: “ذهبت إلى الشام والتقيت الرئيس السوري بشّار الأسد”… إنه “سلاح” من نوعٍ آخر، أطلقه السيّد نصرالله عصراً، ولا زال يدوّي حتى اللحظة في كيان العدو.

برز في الأمين العام لحزب الله، السيّد حسن نصرالله، منذ توليه منصب الأمانة العامة، أي أكثر من عشرين سنة، صفات عدّة، جعلته قائد يحتذى به، لا مثيل له في الوطن العربي، بل وفي كل مكان. أبرز هذه الصفات كانت تقرّبه من الناس، تواضعه، مصداقيته، حتى بات العدّو يصدقه قبل الحليف.

لكن وراء كل ذلك، ما لا يمكن اختصاره بأسطر قليلة، صفة أخرى، ألهبت قلوبنا، بعد سنوات قليلة من تولّي السيّد نصرالله مهمة القائد.

التحق نجله الأكبر الشهيد هادي نصرالله في صفوف المقاتلين، على الجبهة الحدودية، شاهراً سلاحه بوجه العدو الإسرائيلي، دون خوف أو وجل، فعاد شهيداً.

سُجِّل للسيّد نصرالله وقفته يوم تشييع الشهيد هادي، إذ وقف صلباً قوياً، لا تهزّه نظرات المعادين الشامتة، ولو اهتزت الجبال، مصرّحاً بكلمات لا زالت تترد إلى مسامعنا كلما نظرنا إليه: “إني أحمد الله تعالى على عظيم نعمه، إذ نظر إلى عائلتي نظرة كريمة فاختار منها شهيداً”، مواسياً بذلك عوائل الشهداء وواضعاً نفسه في مكانتهم، لا فوقها كما رؤوساء الأحزاب الأخرى. لم يعترف بهذه الكرامة إلا قلّة في لبنان، قلّما استذكروها، بل عملوا على دفنها، حتى لا يبقى نافذة تشّع منها حقيقة السيّد أكثر فأكثر.

وفي معارك الجرود الأخيرة، شارك نجل الأمين العام لحزب الله مقاتلاً، لا إعلامياً ولا لوجستياً، مقاتلاً مبادراً.

لا فرق بينه وبين المقاومين، هم جميعاً في أرض المعركة، تحت أمرة القيادة، لا استثناء ولا معاملة خاصة، وحدها لغة المعارك تفرض قوانينها.

قد ترفض عائلته التحدّث عن هذا الأمر، أو ذكره في الإعلام، تواضعاً ليس إلا.

لكن على السيّد نصرالله أن يتقبّل منا، فهو – ومنذ العام 1992- لم يعد يملك نفسه فحسب، بل نذرها للمقاومة ولشعب المقاومة.

ولهذا، فليسمح لنا بالحديث عن المسألة، حتى نفيه بعضاً من حقّه.

ليعلم الجميع، أن نجل السيّد كان من بين المقاومين في الجرود.

لم يطلب قصوراً ولا مالاً ولا منزلاً يهنئ به بعيداً عن المعركة، لينتظر أمام الشاشة نشوة الانتصار!

هو بينهم، الكل في أرض المعركة سواسية، في خط المقاومة.

وبعد انتهاء المعركة والاحتفال بالنصر، لم يذكر أحداً هذا الأمر.

هو واجب علينا، كما كنا ولا نزال، نتحدّث عن المقاومة والمقاومين في يومياتنا وفي جلساتنا، وعلى منابرنا، واجب علينا أن نتحدث أيضاً عن هذا القائد القدوة، وعن نجله المقاوم.