ها نحن كلبنانيين على وشك تسجيل مصطلح جديد في ​علم النفس​ الجنائي، على غرار متلازمة ستوكهولم Stockholm Syndrome يبدو انه سيصبح لدينا مصطلح جديد هو “متلازمة ​عرسال​ “.

ففي حالة العاصمة السويدية ستوكهولم، حيث جرت سنة 1973 حادثة احتجاز موظفي بنك رهائن لستة ايام، خرج بعدها الرهائن متعاطفين مع الخاطفين. أما ما يحدث عندنا في حالة بلدة عرسال يتخطى التعاطف الى الإعتذار والتعويض عكسيًّا عن الأضرار التي تسببت بها هذه البلدة لجيرانها وللبنان برمته.تجري الآن حفلات الزجل الوطني في مديح عرسال واحتضانها والدفاع عنها، بحيث تستمر قوى ​14 آذار​( سابقاً) بما درجت

عليه من احتضان غير مشروط للبلدة، ولما مضى وما سيأتي من أفعالها، في استغلال سياسي واضح ينم عن ضعف في الرؤية السياسيّة ولا مبالاة في توريط البلدة أكثر فأكثر بالمستنقع الخطير الذي أوقعت نفسها به بعيد اندلاع ​الأزمة السورية​. ويلجأ الطرف الآخر الى محاولة إحتضان البلدة وتناسي الفواجع الكبيرة والعديدة التي ألمّت بالوطن نتيجة دور عرسال المحوري والأساسي كرأس حربة وممر للعمليات الارهابية التي روعت اللبنانيين.

لكن هل تتحمل البلدة مسؤوليّة ما جرى من ارتكابات بعض ابنائها بحق الوطن والجيش وفئة كبيرة من الشعب؟.

المسؤولية الجماعية في الحروب

الحقيقة أن المسؤولية الجماعيّة لها أسانيد شرعية وقانونية لا يرقى اليها الشك. والعقاب هو بعبارة أوضح مجرد ثمن للهزيمة في الحرب.

وردت العديد من القصص التوراتية التي تشير الى مشروعيّة العقاب الجماعي ليس بسبب جريمة بل بسبب معصية، كما حدث في قصة سدوم التي ارسل الله ملائكة لتدميرها بسبب معاصيها، فحاول النبي ابراهيم التماس الشفاعة لها بحجة وجود بعض “الأبرار”… “فتقدم ابراهيم وقال عسى ان يكون خمسون بارا في المدينة. افتهلك المكان ولا تصفح عنه من اجل الخمسين بارا الذين فيه” (18:سفر التكوين). كذلك ورد في القرآن الكريم العديد من القصص عن اقوام تمّت ابادتهم عن بكرة ابيهم. منها قصة قوم النبي صالح الذين اقدموا على نحر الناقة المعجزة التي ارسلها الله لهم: “فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا ﴿١٤سورة الشمس﴾. ولا شك أن من نحر الناقة شخص واحد، ولكن الموافقة وعدم الممانعة اعتبرت مشاركة في الجريمة فقال: “فعقروها”. كذلك يحفل التاريخ بأخبار تدمير مدن وإبادة شعوب وأقوام الطرف الخاسر في الحرب.

أما في العصر الحديث، وبعد ظهور ضوابط ​القانون الدولي​، والتوافق على معاهدات تنظم وتحدد حقوق وواجبات الدول في الحروب. ورغم كل التطور الحاصل في مجال حقوق الإنسان، ما زال العقاب الجماعي موجودا، ومبرراً بضرورة ردع مجانين الحرب والطامعين. فها هي ​المانيا​ تدفع تعويضات عن الحربين العالميتين، واستمرت عشرات السنين بتسديدها صاغرة. ونموذج تعويضات “عراق صدام” ما زال ماثلاً. فما ذنب الشعوب التي لم تشارك في قرار الحرب؟.

من يشيطن عرسال؟

في حالة عرسال لا بد من استذكار بعض الوقائع قبل الحكم على مظلومية البلدة أو ظالميتها، فقد كانت البلدة تعيش بانسجام تام مع محيطها الشيعي بدلالة التزاوج المختلط مع بلدات الجوار دون النظر الى اختلاف المذهب، وما أسهم في هذا الإنسجام بعد أهلها عن التشدد الديني، فتاريخها حافل بنصرة ​الفصائل الفلسطينية​ وأحزاب ​الحركة الوطنية​، وقدمت شهداء بمواجهة العدو الإسرائيلي.

ولكن شأنها شأن المجتمعات الزراعية الفقيرة ، وبحكم موقعها على ​الحدود السورية​ إمتهن الكثير من أهلها مهنة التهريب من والى ​سوريا​. وعندما اشتعلت شرارة ​الحرب السورية​، عرفت عرسال أهمية موقعها الإستراتيجي وبعدما كان التهريب يقتصر على البضائع، أصبح يرتكز على تهريب السلاح والمسلحين، وهذه المرة كان الممولون كثر والأموال المدفوعة أكثر.

قد يمكن فهم جناية التهريب في الأحوال العادية أما تهريب السلاح الى الداخل السوري لا يمكن فهمه الا إشتراكا مباشرا بالحرب، كما أن تهريب السيارات المفخخة لتنفجر في ​البقاع​ و​الضاحية الجنوبية​، يعتبر اشتراكا مباشرا ب​الإرهاب​ أيضاً، ولكن هذه المرة على جيرانهم التاريخيين في اللبوة والعين والنبي عثمان والهرمل وغيرها. بعبارة أخرى فإن عرسال نسيت الخبز والملح و”العشرة” وانقلبت ترسل الموت والدمار إلى جيرانها من أجل المال فقط، لا من أجل عقيدة أو مبدأ. ونعود الى السؤال هل يتحمل كل أهل عرسال المسؤولية؟.

الجواب في أمثولة ناقة النبي صالح، عندما تم إحضار جثث ​عناصر الجيش​ إلى ساحة عرسال، مكوّمين فوق بعضهم بحيث لا يعرف الشهيد من الجريح، كانت أصوات التكبير والتهليل والسخرية تنطلق من التجمع البشري المحيط بذلك “البيك أب”، ولن تغيب من الذاكرة الجملة الشهيرة “هيدا بعدو طيب… نزلوه… نزلوه”. وعندما شدد الجيش اجراءات التفتيش على مدخل عرسال، قامت قيامة ​تيار المستقبل​ المعتدل جداً والحضاري جداً، وأوعز الى مناصريه إشهار سلاحهم المفضل التهديد ب​الفتنة المذهبية​، فإنطلقوا يقطعون اهم شرايين البلد: سعدنايل في البقاع، والجيّة في الجنوب.

نجح فريق 14 أذار في تهويلاته مدعوما من المحور الأطلسي-الخليجي بتكبيل أيدي الجيش، وفرضت عليه القبول بواقع أن عرسال أصبحت جزءاً من إمارة حمص-القلمون.

وتكرس هذا الأمر في عمليات التبادل والتفاوض فكانت آخر نقطة تصل اليها ​الدولة اللبنانية​ هي الحدود الفاصلة بين اللبوة وعرسال. وعلى غرار ما حصل في ​الفلوجة​ و​تكريت​ و​الموصل​ بعد سقوطها بيد داعش، أول الضحايا في البلدة كانت عناصر مخابرات الجيش أو المتهمين بالتعامل معه. وبعد عظيم الجهود التي بذلها رعاة الفتنة الدوليين والمحليين والتي أسفرت عن تثبيت الأمر الواقع في عرسال، إعترف ​وزير الداخلية​ ​نهاد المشنوق​ متأخراً جداً بأن عرسال محتلة.

جاءت حادثة إحتجاز العسكريين في عرسال لتدق المسمار الأخير في نعش التعايش المحتمل بين عرسال وجيرانها.

اللعب في الممنوع

ليس سهلا إقناع أهل العسكريين المختطفين خاصة من أبناء ​العشائر​ بعدم مسؤولية بلدة عرسال عن مصيرهم، هذه العشائرالتي تتعايش بالأصل على مضض مع فكرة الدولة، ليس لديها إعتبارات لحمة وطنية، أو وحدة إسلامية، إذا كانت على حساب كرامتها، نعم كرامتها. لأن ما جرى مع العسكريين أصعب بكثير من القتل، فقد عمدوا الى تصويرهم بمواقف مذلّة وهم يستجدون إطلاق سراحهم. وهذا أكثر مما يمكن إحتماله.

سيكولوجية الثأر

تنتشر عادة الثأر في المجتمعات التي يجمعها الرابط القبلي والعائلي، هذه المجتمعات التي تعيش دائماً على الفخر بالأمجاد والمبالغة بالبطولات، لتصنع لنفسها هيبة ومنعة لتفرض احترامها على الآخرين. من هنا فإن مقتل أحد أفراد العشيرة ينظر إليه على أنه إهانة لها، قبل كونه خسارة شخص. لذا غالبا ما يستجر القتل، وحتى لو كان أحيانا بغير قصد، سلسلة من عمليات الثأر المتبادلة، ولا تحصل المصالحة إلا بعد أن يثبت كلا الطرفين أنه لا يقبل الإهانة ولا يسكت على الضيم.

هذه الإعتبارات الحساسة تنتقل إلى داخل الأسر ضمن العشيرة، فيصبح نوعاً من المذمّة والعيب ألاّ يؤخذ بالثأر للقتيل. وعليه يلجأ صاحب الدم إلى غسل العار الذي سيلحق به من نظرة عشيرته له قبل نظرة الغريب، كما فعل معروف حميّه حين ثأر لمقتل ولده العسكري المختطف من خلال خطف أحد أفراد عائلة الحجيري وقتله على قبر ولده. ورغم ذلك ما زال يهدّد بالنيل من المسؤولين عن مقتل ولده وهما تحديدا رئيس البلدية السابق “ابو عجينة” والشيخ “ابو طاقية”.

بالواقع فإن ما جعل السيد معروف يستعجل غسل العار هو نظرات الشفقة التي كانت تستقبله في كل مكان، وتجعله يشعر بالضعف، هذه النظرات المتعاطفة مع مأساته كانت تضمر معنى لا يمكن لصاحب كرامة أن يحتملها” يا حرام قتلو ابنه”. هذه الشفقة تناسب الضعاف، والنفوس الأبيّة ترفضها. اليوم تحولت النظرة إلى السيد معروف إلى نظرة فخر وإحترام “هذا معروف الذي أخذ بثأره”.

أنصاف المصالحات لا تجدي، ولا الخطب الوطنية الفارغة، لو كانت عرسال حقاً مغلوبة على أمرها لسارعت إلى مصالحة محيطها والإعتذار وهو أضعف الإيمان، والعكس حصل فحتّى رئيس بلديتها الحالي رفض توجيه الشكر الى حزب الله على تحرير أراضي البلدة، رغم المناورات الذكية من أحد المراسلين لإنتزاع أي كلمة تسهم في تهدئة الأجواء، وعندما قامت نائبة رئيس البلدية بزيارة الى الشيخ يزبك لشكره على تحرير أراضي البلدة، سارع وجهاء عرسال إلى الإستنكار ووصف تصرفها بالفردي، وعادوا للإلتصاق بمسبب ورطتهم، أي تيار المستقبل.

صحيح أن مجموعات سورية غريبة دخلت عرسال وسيطرت على البلدة عسكريا وأمنياً ولكنها لم تكن أبداً محتلّة، بل إنضم إليها العشرات من أبناء البلدة، إن من فخّخ وهرّب وفجّر وقصف البلدات المجاورة، من ​آل الحجيري​ والأطرش ورايد وحميد وغيرها. إن سهولة إندماج أهل عرسال مع المسلّحين السوريين توحي وكأنهم ينتمون إلى منطقة القلمون لا إلى البقاع، فأبناء بلدة فليطة أقرب اليهم بكثير من أبناء ​بلدة اللبوة​ المجاورة.

الإنتماء والخيار المذهبي في لبنان يتعزز أكثر فأكثر، ويضمر أو يختفي الشعور الوطني الهش أمام الإنتماء الديني أو المذهبي. وفي حالة استشهاد العسكريين المختطفين، نخشى أن تكون قد سقطت ورقة التهديد التي كانت تلجم فتنة تلوح في أفق البقاع حماه الله من كل شر.