ناصر قنديل | الأصوات هي نفسها والشعار هو نفسه والمضمون هو نفسه، رموز الخصومة مع المقاومة لم يتغيّروا طوال أربعة عقود، وشعارهم المنتحل هو السيادة، وباسم السيادة ينتحبون، وباسم السيادة يوزّعون شهادات الوطنية، وباسم السيادة يصوّبون سهامهم على المقاومة، وقد آن أوان جردة حساب معهم، من موقع السيادة وفهمهم لها وتعريفاتهم لماهيتها.

نستثني من النقاش التيار الوطني الحر الذي كان أميناً لمفهومه للسيادة في مراحل الخلاف والاتفاق، ولم يبدّل ولم يغيّر. ولا تلوّن جلده ولا تلوّنت مبادئه، فوفقاً لفهمه بقي الوجود العسكري السوري في لبنان خارج نطاق السيادة والمؤسسات التي شرّعته غير سيادية. وعندما انتهى هذا الوجود في لبنان طوى الصفحة وعبّر عن روح مسؤولة في مقاربة العلاقة اللبنانية السورية ومقتضيات المصلحة الوطنية اللبنانية بقيام أفضل العلاقات مع سورية بداية، وعدم وقوعها بيد الإرهاب لاحقاً.

النقاش على عناوين ثلاثة حول السيادة بقي مفتوحاً مع أربع جهات سياسية في البلد، كان أقساها، وهو اليوم أفضلها النائب وليد جنبلاط وتياره السياسي، ورغم تناوله حرب تموز والحرب على سورية وموقف المقاومة منهما من منطلق عناوين الحديث عن السيادة نمتنع عن مساجلته أيضاً طالما قام هو بطيّ صفحة الخلاف. فلسنا هواة تصفية حسابات ومعارك بلا قضية ولا شراء للنكد، أو تحويل الأصدقاء الذين يراجعون حساباتهم خصوماً.

الجبهات المتبقية هي ثلاث بارزة، والباقي كومبارس من الببغاوات والمصفقين والزجّالين، أبرزها تيار المستقبل والقوات اللبنانية ويليهما حزب الكتائب، وأقلّها حملاً تيار المستقبل الذي لا يتشابه موقف رئيسه مع موقف رئيس كتلته النيابية حتى تخالهما تيارين منفصلين، لكن وفقاً للمفهوم السيادي النقاش مبسّط مع التيار، ففي قضية الاحتلال «الإسرائيلي» كان لبنان بين رهانَيْن رهان مثّلته المقاومة ورهان مثّله اتفاق الطائف بالحلّ الدبلوماسي. وتشهد مواقف مؤسس تيار المستقبل ورئيسه الراحل الرئيس رفيق الحريري منذ العام 1996 على تسليمه بسقوط رهانه الذي قام على الحلّ الدبلوماسي وقراره بالاصطفاف وراء خيار دعم المقاومة، فإنْ سألنا حيث اللبنانيون بالقياس الوطني متساوو الحقوق والواجبات، ماذا كان إسهامكم في تحرير بلدكم؟ فسيكون الجواب خوض رهان خاسر، ومن ثم دعم خيار لم نكن أسياده ولا المضحّين في صفوفه.

بقياس الموقف من الوجود العسكري السوري لا تنطلي كذبة القهر والإجبار على أحد، فقد كان الرئيس رفيق الحريري من خارج المعادلة السياسية اللبنانية، وجاءت به إلى السلطة التي تنعّم بها عبره كلّ قادة تيار المستقبل اليوم، بفضل تسوية دولية إقليمية لا دور للسيادة فيها، وعنوانها الدوران السياسي والعسكري لسورية، وقامت السلطة الناشئة من هذه التسوية والرئيس رفيق الحريري على رأسها بشرعنة هذين الدورين، وكلّ كلام آخر منافٍ للواقع ومجافٍ للحقيقة.

بعد رحيل الرئيس رفيق الحريري كان لتيار المستقبل قيادة جديدة، هي ثنائية رئيسه الجديد ورئيس كتلته النيابية وقد وقف تحت عنوان السيادة يواجه سورية

ويحاول النيل من المقاومة، كما فعل في حرب تموز 2006. وهو اليوم على ضفة الغالب عليها مناوأة المقاومة في حربها على الإرهاب، وفي العنوان الأول الخاص بمواجهة سورية ووجودها فلا شيء يُقال، لأنّ الوجود السوري العسكري والسياسي في لبنان انتهى قبل أن تتسلّم القيادة الجديدة للمستقبل مهامها. فيبقى ما قاله المستقبل عن المواجهة مع «إسرائيل» والحرب على الإرهاب. وهنا نسوق سؤالاً واحداً، من موقع فهم السيادة، ليس مهماً تفسيركم لأسباب حرب تموز أو الحرب التي خاضها الإرهاب على لبنان، ولو سلّمنا بتحميلكم للمقاومة مسؤولية اجتذاب الحربين، أما وقد وقعتا وصار بلدكم تحت التهديد، فما هي الأولوية السيادية؟ أليست صدّ العدوان وبعدها التحاسب مع الشريك في الوطن؟ فكيف واجهتم الخطرَيْن؟

في حرب تموز حملتم شروط «الإسرائيلي» بوجه المقاومة لتطالبوها بالاستسلام. وفي الحرب على الإرهاب وقفتم تجتهدون لابتكار الذرائع والتسميات للإرهابيين لتثبيت أقدامهم ونيلهم التسهيلات وتحقيقهم المكاسب، وفي الحالين تنازلتم لـ «إسرائيل» عن سيادة بلدكم، فتقتل وتقصف وتدمّر، وأنتم تقيسون للمعتدي درجة نضج المقاومة لإعلان الاستسلام. ولما فشل العدوان حملتم مشروع تسليم البلد، وفقاً للفصل السابع لقوات متعددة الجنسيّات، وهي أبشع أشكال التفريط بالسيادة التي يمكن لفريق سياسي أن يرتكبها بحق بلده. أما بوجه الإرهاب فقد بذلتم جهدكم وسعيتم سعيكم كي لا يكون هناك قرار وطني لمحاربة الإرهاب. فقُتل الجنود الأسرى برعاية صبركم ودعوات التفهّم والتمهّل والانتظار وضاعت الأرزاق وتجذّر الإرهاب، وعندما بدأت المقاومة حربها نكّلتم بها وأسأتم إليها، وشوّهتم مسيرتها، فماذا عساكم تكتبون عن سيرتكم في حفظ السيادة غير البكاء بدموع التماسيح والتسوّل في المحافل. افقأوا في عيوننا حصرمة حقيقتكم وتضحياتكم لأجل سيادة بلد تتشدّقون بها صبحاً ومساء.

أما القوات اللبنانية وحزب الكتائب، القوّتان اللتان تقاسمتا الإمساك بالبلد سياسياً وعسكرياً ودستورياً في الثمانينيات، تحت عنوان السيادة فقد سلّمها واحد منهما في الميدان لـ«الإسرائيلي» ينسّق معه علناً، وسلّمها الثاني لـ«الإسرائيلي» دستورياً في اتفاق السابع عشر من أيار، وكلاهما تخلٍّ عن السيادة واسترهانٌ لها أسقطتهما تضحيات ومواقف المقاومة وأحزابها وقياداتها. أما في زمن الوجود السوري العسكري والسياسي، فالقوات صادقت على اعتماده راعياً بقبولها اتفاق الطائف، وهي تعلم جيداً جداً ما هي فاعلة، ولكنها احتجّت وخرجت لما لم تعجبها صيغة توزيع مغانم السلطة وحصّتها منها نيابياً ووزارياً. وأما الكتائب فقد كانت عراب هذا الوجود والمدافع الرئيسي عنه في السبعينيات عندما اعتقدت أنه يناسب مصالحها السلطوية. وفعلت العكس، عندما اعتقدت العكس أيضاً. فلا سيادة ولا من يحزنون، وإلا فما الفارق بين وجهَيْ الدور السوري في السبعينيات والتسعينيات؟

في مواجهة الإرهاب لم نسمع رغم الخطر الوجودي على مسيحيّي الشرق، الذي يدّعي الفريقان تمثيل لسانه السياسي، تحذيراً ذا قيمة من الطرفين من مخاطر ما تشكله الحرب في سورية وعليها على هذا الصعيد، ولم نشهد تحركاً يعكس شعوراً بالمسؤولية طيلة فترة احتلال الإرهابيين أراضي لبنانية وتشكيله تهديداً للبنان، بل كان جلّ همّ الفريقين ربط هذا الخطر بما يسمح بتحويله مدخلاً للنيل من المقاومة ومن سورية وتقديم أوراق الاعتماد لدى الحلف الدولي الإقليمي الذي يقف الفريقان من ضمنه، ويقف في صف المتورّطين في الحرب على سورية، ولو كان ثمن إسقاطها تهجير مسيحيّيها وتهديد لبنان وتبييض صفحة الإرهابيّين وتسميتهم ثواراً، فهل ننسى الكلام عن انّ داعش كذبة، وهل ننسى الحملات الظالمة بحق وزير الدفاع السابق فايز غصن لمجرد قوله إنّ الإرهاب بات موجوداً في لبنان ويسيطر على عرسال؟

الابتكار الذي يخرج به بعض الأبناء اليوم، الحديث عن مفهوم جديد للسيادة لا يتصل بمواجهة المحتلّ أو المعتدي، بل بصدور قرار المواجهة عن مؤسسة سيادية دستورية، فيصير شارل ديغول منتهكاً للسيادة الفرنسية، لأنه من خارج المؤسسات التي سلّمت فرنسا للنازيين، ويصير اتفاق السابع عشر من أيار سيادياً، رغم تسليمه أمن لبنان واقتصاده وثقافته للعدو، ولكن كذلك يصير إلغاؤه وقد تمّ بالمؤسسات الدستورية ذاتها التي أقرّته. وعلى كلّ حال بهذا المفهوم، فالمقاومة سيادية طالما تنصّ بيانات الحكومات على حق المقاومة بوجه العدوان، والحق هذا لا يمارس بالتنسيق مع الحكومة، يا سادة ولا بإذن منها، بل شرطه الأساس نكوص الحكومات عن القيام بموجبات حماية السيادة.

في الطريق إلى 25 أيار بقيتم تقولون المقاومة ورقة تفاوض لأجل الجولان، وفي الطريق إلى 28 آب بقيتم تقولون إنّ المقاومة ورقة تفاوض للملف النووي الإيراني. وها هي المقاومة تقدّم إنجازاتها للبنانيين، فقدّموا أنتم إنجازكم، أو لو سمحتم اسحبوا سيّئ أقوالكم وقد أسقطته الحقائق، فتحرّرت أرض لبنان في المرتين وثبت بطلان اتهامكم وسوء ظنكم، أو على الأقلّ من بعد إذنكم ومع فائق الاحترام والتقدير، الزموا الصمت.