لازالت الادارة الأميركية تتذرع بحجج واهية لتتنصل من مسؤوليتها في تنفيذ الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1، وفي كل يوم تعنون موضوعا جديدا لاستمرار العداء والضغط على إيران.. انها الطبيعة المستذئبة للقوة الأميركية التي من الغباء الاطمئنان اليها والحساب عليها.

واذا كان من يعتقد بغير ذلك في إيران او العالم فهو مخطئ بل وغارق في الخطيئة.. لان ذلك يعني الكثير من الدماء والجهود والمضيعة للوقت!

يعود تاريخ العلاقات الإيرانية ـ الأميركية الى اواسط القرن التاسع عشر وعهد الاسرة القاجارية في إيران.. حيث اوفدت إيران اول مندوب لها الى الاراضي الأميركية وهو الميرزا ابو الحسن الشيرازي سنة 1856، فيما قامت الولايات المتحدة بتاسيس قنصليتها الاولى سنة 1883 والتي ترأسها الدبلوماسي “صموئيل غرين بنيامين”!

لكن الاحتكاك الأميركي بالشارع الإيراني بدأ من غزو الحلفاء لإيران خلال الحرب العالمية الثانية واحتلالها في العاشر من سبتمبر/ ايلول لعام 1941.. حيث تقدم السوفيت من الشمال والبريطانيون من الجنوب حتى وصلوا الى العاصمة واسقطوا حكم الملك البهلوي رضا خان بذريعة تعاطفه مع المانيا الهتلرية، وجاؤوا بولي عهده محمد رضا حاكما بدل ابيه الذي تم نفيه الى جزيرة موريس!

وكانت الحقيقة هي ان البريطانيين والأميركان اتفقوا مع السوفيت على دعم الجبهة الشرقية في اوروبا، لاستنزاف جيش هتلر الذي بلغ حتى مدينة ستالينغراد (فولغوغراد الحالية) وسواحل البحر الاسود من جهة رومانيا والحيلولة دون وصول النازيين الى حقول القمح الاوكرانية وحقول النفط الاذرية على ساحل بحر قزوين والتحضير لاعنف معركة مع الجيش الهتلري والتي استمرت من 21 أغسطس 1942 حتى 2 فبراير 1943 والتي سقط فيها مليون و940 ألف من الطرفين وأسر فيها 91 ألف ألماني بينهم 2500 ضابط منهم 24 جنرالا..

كان هدف الاميركين والبريطانيين هو استنزاف الجيش السوفيتي ايضا وتشديد المواجهة بين السوفيت والنازيين، لذلك رفضوا فتح جبهة اخرى متزامنة مع معارك ستالينغراد بل تركوها الى ما بعد نتيجة المعركة.. وكان استالين يعلم ذلك جيدا لكنه كان مضطرا امام رعب القوات النازية وماكنتها العسكرية.

تم اختيار إيران لاحتلالها من قبل الحلفاء بسبب موقعها الستراتيجي وايضا امتلاكها خط سكك حديدية حديث (آنذاك) يربط موانئ الخليج الفارسي بموانئ بحر قزوين وحدود الاتحاد السوفيتي من منطقة القوقاز، اضافة الى ثروات إيران نفسها من النفط والمعادن والثروات الزراعية والبحرية.. فقرروا احتلالها!

كان الوجود العسكري الأميركي حينها يقتصر على ايصال المساعدات العسكرية للسوفيت.. وتحت مظلة الاحتلالين البريطاني والسوفيتي الذين جاءا تطبيقا لما عرفت بمعاهدة النفوذ 1907 والتي قسمت إيران بموجبها الى منطقتي نفوذ بين الامبراطوريتين الروسية والبريطانية.

اعلنت إيران انضمامها الى الحلفاء ضد دول المحور، وتحولت إيران في الفترة اللاحقة الى مركز مهم للتنسيق مع السوفيت، بل الى صياغة النظام العالمي الجديد الذي سيحكم بعد الحرب.. وخلال الفترة 28 نوفمبر حتى الاول من ديسمبر سنة 1943 اجتمع قادة الحلفاء: ستالين (زعيم الاتحاد السوفيتي) وتشرشل (رئيس وزراء بريطانيا) وروزفلت (رئيس الولايات المتحدة) في السفارة السوفيتية بطهران فيما عرف باجتماع “طهران” الذي جاء على اعقاب اجتماع القاهرة وقبل اجتماعي بوتسدام ويالطا، لتقسيم العالم بعد الحرب…

ويظهر ان إيران صارت من حصة أميركا، بسبب:
1. عجز بريطانيا عن اداء مهامها الاستعمارية.
2. الحيلولة دون وصول السوفيت الى حلمهم التاريخي بالمياه الدافئة (الخليج الفارسي) وتهديد السيطرة البريطانية ـ الاميركية على مصادر الطاقة.
3. اشكالية العلاقة مع السوفيت الملاحدة بسبب قوة وتجذر المؤسسة والعقيدة الدينية بين الناس.

لذلك انسحب السوفيت بعد الحرب رغم مماطلاتهم وانهو جمهورياتهم المزيفة في مهاباد واذربيجان الإيرانية.. فتحولت إيران الى قاعدة اساسية للهيمنة الأميركية وراس حربة وقاعدة متقدمة على الحدود الجنوبية للامبراطورية السوفيتية، فيما عرف بالحرب الباردة بين المعسكرين الراسمال والاشتراكي…

بدأ المستشارون الأميركيون يصلون الى إيران ويتزايدون مع تزايد اعداد ومبالغ صفقات السلاح ومع الاستثمارات المالية والنفطية الأميركية، برضى المستعمر العجوز الذي ترك العديد من مواقعه لصالح القوة العالمية الجديدة وزعيمة المعسكر الرأسمالي فيما بعد الحرب.

كانت فلسطين والنفط هما العنوانان الابرزان في الصراع مع المستعمر واذنابه في المنطقة.. لذلك لم يمض الكثير حتى انطلقت انتفاضة تاميم النفط في إيران بقيادة التيارين الديني والوطني (كاشاني ـ مصدق) وذلك سنة 1951.. وبعد اجبار الملك الشاب على تعيين محمد مصدق رئيسا للوزراء بدعم من البرلمان الذي كان ابو القاسم كاشاني رئيسه (اية الله السيد ابو القاسم الكاشاني هو نجل احد قادة ثورة العشرين في العراق وشهدائها السيد مصطفى الكاشاني).. تم سلب صلاحيات الملك الذي فرّ الى ايطاليا بعد توقف قصير في بغداد ومعه ملكته (ثريا بختياري) وهي زوجته الثانية بعد طلاقه من الملكة فوزية شقيقة فاروق، ملك مصر.

تم حظر شراء النفط الإيراني بضغوط وتهديدات من الشركات البريطانية والغربية.. وعملت المخابرات البريطانية الانتلجنس سيرفس ووكالة المخابرات المركزية الأميركية على تثوير الشارع ضد حكومة مصدق وخلق ازمات اقتصادية ومعيشية للناس، فيما اخطأ الوطنيون عندما فكوا ارتباطهم بالزعامة والتيار الديني ولم يسمعوا لتحذيراته من بريطانيا وأميركا.. حتى تدبير الانقلاب العسكري المعروف الذي اطاح بحكومة مصدق وجاء بالجنرال فضل الله زاهدي حاكما عسكريا ورئيسا للوزراء.

نجحت خطة الانقلاب التي ادارها العميل غرميت روزفلت والتي سميت بـ”اجاكس او اياكس” وعاد الدكتاتور من منفاه مكشرا عن انيابه الكريهة.. فبدأت عملية قمع لم تشهدها إيران من قبل وزاد نفوذ الأميركان والصهاينة في البلاد.

وفي تلك الفترة اقامت إيران علاقاتها مع الكيان الصهيوني وتم تشكيل منظمة الامن والاستخبارات في البلاد (سافاك والتي تكتب ساواك) التي عرفت بقسوتها في تعذيب وقمع واغتيال المعارضين للنظام، وبالتنسيق مع اجهزة المخابرات الأميركية والغربية والاسرائيلية، والانظمة الرجعية العربية لضرب اي تحرك وطني او تحرري يهدد المصالح الاستعمارية.

لذلك لم يكن عجيبا ان تكون انطلاقة الثورة الاسلامية على يد الامام الخميني (رضوان الله عليه) في الخامس من حزيران سنة 1963 من الهجوم على قانون الحصانة القضائية الذي منح للمستشارين الأميركيين.. فكان الهجوم على الثلاثي: أميركا الشيطان الاكبر، والشاه راس النظام الطاغوتي في إيران، والكيان الصهيوني ربيب أميركا وحليف نظام الشاه..

ولازلت اذكر حديثا لاحد قيادات الحركة الاسلامية في العراق، يقول: زرنا الامام الخميني في النجف الاشرف ونحن نحدثه ونشكو اليه المدّ الشيوعي والالحادي والانظمة التي تحكمنا باسم الاشتراكية.. حتى اذا انتهينا، قال لنا: أميركا اولا!!
يقول تصورنا حينها ان الامام يقدم معاناته مع نظام الشاه على معاناتنا مع النظم التي تدعي الاشتراكية.. لكن تبين لنا بعد عقدين من الزمن ان الامام كان دقيقا في رؤيته وقراءته للواقع العالمي.

لذلك لم يأت وصف الامام (رض) لأميركا بـ”الشيطان الاكبر” من فراغ، بل من قراءة دقيقة لهذا الكيان الامبريالي السلطوي المستكبر.. ولان كل ما واجهته الثورة الاسلامية في إيران من عداء كان بزعامة وتآمر أميركا، فان كل ما واجهته المنطقة الاسلامية والعالم الاسلامي كان من مخططاتها ومؤامراتها بالتعاون مع حليفتها العجوز بريطانيا.

فلا غرابة ان نسمع كل هذه التحذيرات من قائد الثورة السيد الخامنئي وهذه الثقة المعدومة بالمستذئبة الأميركية، فقد اثبتت التجربة ان كل ما يعانية العرب والمسلمون اليوم مصدره أميركا وحليفتها الاستعمارية العجوز.. فهم من اوجدوا الكيان الصهيوني اللقيط ودبروا له احتلال فلسطين، واستمروا بدعم عدوانه المستمر ضد الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، بالعكس يعتبرون دعمه جزءا من التزامهم الاخلاقي، كما يتبارى مرشحوا الرئاسة الأميركية في التصريحات دفاعا عن اللقيطة هذه الايام!!

وايضا هم من اوجدوا الكيانات اللقيطة الاخرى والمحميات الاستعمارية في الجزيرة العربية وعلى الساحل الجنوبي من الخليج الفارسي، والغريب ان معظمها قادم من نفس المنطقة (نجد) التي يرى بعض المؤرخين اليهود كثير من اهلها يهود يتظاهرون بالاسلام ( حسب زئفي).. هؤلاء الذين ظهروا اليوم على حقيقتهم ووضعوا ايديهم علانية بيد أميركا والصهاينة لتدمير المنطقة بكل ما بها تحت اسم الفوضى الخلاقة!

والعداء الأميركي للثورة الاسلامية أخذ يشتد ويدخل منعطفات جديدة مع ارهاصات الانتصار في نهاية 1978، وتركزت المؤامرة الأميركية على عدة سيناريوهات:

1. قمع الثورة والثوار وتأخير الانتصار.
2. اختراق الثورة بواسطة شخصيات “وطنية” وعلمانية تقربت من الامام الخميني، كبني صدر وقطب زادة وامير انتظام.
3. تشكيل جبهة علمانية للتيارات التي تشارك في الثورة او تجاريها في مواجهة القادة الدينية والعلمائية للثورة.
4. التغرير ببعض رجال الدين للوقوف بوجه قائد الثورة وخلق ضد نوعي!
5. التدبير لانقلاب عسكري يقوده الجنرال الأميركي هايزر الذي قدم من اوروبا وقيادة حلف شمال الاطلسي خصيصا لهذا الغرض.

ومن خلال تكرار سيناريو 18 اغسطس/ آب سنة 1953 واسقاط حكومة مصدق.. كانت فكرة الانقلاب العسكري مختمرة في عقل الأميركان بعد هروب محمد رضا ثانية من إيران مصطحبا هذه المرة زوجته الثالثة “فرح” واطفالها واخوته واخواته!… وحتى انهم ـ الأميركان ـ كانوا يتحدثون عن اسقاط طائرة الامام الخميني في الجو قبل وصولها الى ارض مطار مهرآباد بطهران..

ولم يلدغ المؤمن الإيراني من جحر مرتين!.. عاد الامام من باريس رغم كل التهديدات وفرض حكومته المؤقتة وانتصرت الثورة في 11 فبراير/ شباط 1979 وفر الخونة والعملاء خارج البلاد فاحتظنتهم أميركا واوروبا.. الا الشاه نفسه الذي عجزت أميركا عن استقباله بسبب مطالبة الجماهيرالإيرانية باسترداده ومحاكمته وهو يعاني من السرطان!

أمسك الثوار بزمام الامور وازاحوا شيئا فشيئا المتآمرين وعملاء أميركا، فأنفلقت غدة القيح الأميركي وانهالت المؤمرات على الثورة تحاصرها من كل حدب وصوب… وكان اشدها اغتيال رموز في الثورة وقيادات قريبة من الامام الخميني كالعلامة مطهري والفريق قرني والدكتور مفتح والشهيد عراقي… وايضا دعم الحركات الانفصالية في بعض المناطق…
لكن جاء الرد الإيراني الثوري صاعقا.. لقد احتل الطلبة السائرون على خط الامام وكر التجسس الأميركي بطهران (السفارة الأميركية) واعتقلوا عشرات الجواسيس الذين كانوا يتخفون بزي الدبلوماسيين كما يتخفى الدواعش اليوم بزي النساء.. وكشفت الوثائق التي زادت عن 40 مجلداً جزءا كبيرا من اعمال التآمر التي قامت بها السفارة الأميركية ضد حركة الشعب الإيراني ومصالح البلاد.. رغم ان الأميركيين قاموا بفرمها ولم يتمكنوا من حرقها بسبب المفاجئة!
(يتبع)
بقلم: علاء الرضائي