خمس سنوات من الحرب كانت كافية لترسم سوريا جديدة ديموغرافياً، بخريطة سكانية مختلفة تتقاطع آراء معظم المتابعين والدارسين لعلم السكان أنها لن تعود إلى سابق عهدها في المدى المنظور.

ليس التغيير وحده المشكلة، وإنما ما يحمله الشكل الجديد للخريطة السكانية من آثار بعضها قريب، وبعضها الآخر يمتدّ لعقود تالية يعتبر المشكلة الأعظم.

ويمثل العامل السكاني في سوريا أحد أبرز العوامل التي أدت إلى انفجار الأزمة، وتطورها إلى حرب، بعد تدخل العوامل الأخرى الداخلية والخارجية. فقد تسببت عمليات النزوح التي شهدتها سوريا بين العامين 2006 و2011 بسبب الجفاف بنزوح نحو مليون ونصف المليون شخص، من المناطق الشرقية والشمالية الشرقية نحو مراكز المدن. وترافق ذلك مع النمو السكاني الكبير الذي كانت تعاني منه سوريا أساساً، التي تضاعف عدد سكانها خلال ربع قرن فقط، ليتجاوز في العام 2010 العشرين مليون نسمة.

النمو السكاني الكبير، وارتفاع معدلات البطالة في سوريا والضغط الكبير الذي تسبب به النازحون من مناطق الجفاف على مراكز المدن، شكل فتيلاً جاهزاً لاندلاع الأحداث، وبنية تحتية متينة لحرب ما زالت قائمة لعامها السادس بعد التدخلات العديدة فيها.

ومع اندلاع الحرب في سوريا تشكلت موجات نزوح جديدة داخل البلاد، وأخرى إلى خارج سوريا، لتبدأ خريطة التوزع السكاني بالتغير بشكل تدريجي. كذلك انخرط عدد كبير من الشبان في الأعمال القتالية، وخرج قسم من الشباب من سوريا إلى دول الجوار، أو إلى أوروبا، ما أدى بدوره إلى تغيرات كبيرة في الهرم السكاني لسوريا.

حركات النزوح الداخلية، والتي ما تزال مستمرة مع استمرار الحرب، شملت معظم المناطق السورية، واتخذت عدّة مسارات، حيث شكلت المدن الآمنة مستقرّها النهائي، الأمر الذي حول مدناً صغيرة نسبياً، مثل اللاذقية وطرطوس، إلى مدن مكتظة اضطرت لاستقبال ضعف عدد سكانها، فاستقبلت اللاذقية أكثر من مليون ونصف المليون نازح (إحصاءات غير رسمية)، علماً أن عدد سكان المدينة قبل اندلاع الحرب، وفق إحصاءات المكتب المركزي للإحصاء، بلغ 900 ألف نسمة، ما يعني أن المدينة استقبلت نحو مرة ونصف ضعف سكانها الأصلي.

بدورها، استقبلت طرطوس، التي كان يبلغ عدد سكانها نحو 600 ألف نسمة، ما يزيد على 700 ألف نسمة (إحصاءات غير رسمية).

كذلك استقبلت مدينة دمشق آلاف النازحين (لا إحصاءات دقيقة لعدد النازحين في العاصمة)، في حين استقبل الشق الغربي لمدينة حلب عشرات آلاف النازحين ممن فروا من الريف المشتعل، أو من الشق الشرقي للمدينة الذي تسيطر عليه الجماعات المسلحة.

وفي مقابل الاكتظاظ الكبير للسكان في مراكز المدن وفي المناطق الآمنة، التي تسيطر الحكومة عليها، شهدت الأرياف فراغاً سكانياً كبيراً، خصوصاً في المناطق المشتعلة، سواء في الشمال السوري، أو في الشرق، وهي في العموم كانت تشكل «خزان الغذاء السوري» ومصدر القمح والقطن، والموارد الغذائية الأخرى في سوريا التي كانت تشكل فيها الزراعة ما نسبته 19 في المئة من الناتج المحلي وفق إحصاءات العام 2009.

وفي هذا السياق، يقول المركز السوري لبحوث السياسات، في رده على أسئلة «السفير»، حول أبرز التغيرات الديموغرافية في سوريا جراء الحرب إن «الأزمة واستمرارها أثرت بشكل كبير على الوضع الديموغرافي في سوريا، فقد غادر حوالي 45 في المئة من السكان أماكن إقامتهم الأصلية ليصبحوا مشتتين، إما كنازحين داخل سوريا أو لاجئين أو مهاجرين إلى خارجها، إضافة إلى تعرض مئات الآلاف، وخاصة من الذكور، إلى القتل، وبالتالي انخفض عدد السكان في سوريا من 21.8 مليون نسمة في العام 2010 إلى 20.2 مليونا مع نهاية عام 2015»

ويقدم المركز في رده تفاصيل أخرى حول هذه التغيرات، منها «تراجع العمر المتوقع عند الولادة من 70.5 سنة في العام 2010 إلى 55.4 سنة مع نهاية عام 2015 عاكساً زيادة عدد الوفيات والإعاقات من جهة، وتردي ظروف العيش والحياة الإنسانية، وتراجع الخدمات الاجتماعية من جهة أخرى. كما لعبت ظروف الأزمة دوراً حاسماً في تغيير السلوك الإنجابي، حيث تعرضت الأسر والمجتمعات إلى هزة عميقة في ما يتعلق بالاستقرار وفقدان الأمان واليقين بشأن مستقبلها وطبيعة حياتها، ما دفع الكثيرين للتردد في فكرة الإنجاب في ظل اللايقين حول كيفية تأمين الحد الأدنى للأطفال، وبالتالي انخفاض معدل الولادات».

ويؤكد المركز، في رده على أسئلة «السفير»، أن استمرار النزوح يؤدي إلى تشكيل خريطة سكانية اجتماعية اقتصادية مختلفة عن السابقة. ويوضح أن «استقرار مجتمع النازحين في منطقة ما لفترة طويلة سيحمل معه العادات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذا المجتمع، الذي يمكن أن تتماشى أو تصطدم مع عادات المجتمع المقيم».

بلد من النساء
التغيرات التي طالت الخريطة الديموغرافية السورية لا تقتصر أسبابها على حركات النزوح الداخلية فحسب، بل يضاف إليها حركات النزوح إلى خارجها (اللجوء)، والتي ساهمت بشكل كبير في انخفاض عدد الأطفال واليافعين الذين يمثلون جزءاً من مستقبل سوريا. ويقدر المركز السوري للإحصاء عدد اللاجئين خارج سوريا بنحو خمسة ملايين نسمة، موزعين على دول الجوار (لبنان، العراق، تركيا) بالإضافة إلى من لجأوا إلى أوروبا. ويورد المركز، في بيان نشره نهاية العام الماضي، أن معظم اللاجئين إلى خارج البلاد هم من النساء والأطفال، حيث بلغت، حسب التقديرات الدولية، نسبة الأطفال 20 في المئة ممن هم دون سن خمس سنوات، في حين أن نسبتهم داخل البلاد نحو 14 في المئة. كذلك كانت نسبة النساء عالية مقارنة بالمستوى الوطني».

ويوازي الانخفاض في معدلات الولادة حركات خروج متتالية لليافعين، وهي أسباب أدت بمجملها إلى تغيير الهرم السكاني السوري بشكل كبير. يضاف إلى ذلك الانخفاض المتتالي في نسبة الذكور في المجتمع، بسبب استمرار الحرب وتحوّل نسبة كبيرة من الشباب إلى الأعمال القتالية. وفي هذا السياق، يشير «المركز السوري لبحوث السياسات» إلى أن «الأزمة أدت إلى ارتفاع نسبي في عدد الإناث من إجمالي السكان داخل سوريا، من نازحين ومستقرين مكانياً»، موضحاً «يمكن تفسير ذلك بعدة عوامل، منها انخراط الذكور بالأعمال القتالية، وارتفاع عدد الضحايا المباشرين للأزمة من الذكور، وهجرة الذكور، وخاصة الشباب منهم، للبحث عن ظروف معيشية أفضل، إضافة إلى المعتقلين والمفقودين».

هجرة نوعية وآثار كارثية
كذلك، تسببت الحرب بتدهور «رأس المال المادي والبشري والاجتماعي والثقافي، من خلال استمرار أعمال التدمير والنهب والقتل والتحريض والكراهية وانهيار القيم الاجتماعية والإنسانية، الأمر الذي سيترك آثاراً تعيق استئناف عملية التنمية والسلم الاجتماعي، في المستقبل المنظور»، وفق «المركز السوري لبحوث السياسات»، الذي يضيف «في مرحلة مقبلة من مراحل النمو السكاني لسوريا سيكون معظم قوة العمل في مستوى تعليمي ومهني متدن، نتيجة الأثر السلبي الكبير للأزمة على التعليم، وهو ما سيحكم سلباً على عملية التنمية والتطور في سوريا لسنوات طويلة».

العاملون في القطاعات الزراعية في سوريا يمثلون الشريحة الأكثر تضرراً، فمع استمرار الحرب واحتدام المعارك، ونزوح ولجوء عدد كبير من سكان تلك الأرياف، تغيرت أنماط المعيشة عند معظمهم، وتحولوا إلى «مستهلكين يعتاشون على المعونات»، وفق رأي ناشط يعمل في مجال الإغاثة في سوريا، كما تغيرت طموحات وأحلام عدد كبير من السوريين، الذين بدأوا يبحثون عن بدائل للاستقرار خارج ديارهم الأصلية، الأمر الذي يقلل من نسبة من سيعود إلى دياره، أو سيعود إلى ممارسة مهنته.

وبالإضافة إلى الهدر التعليمي في رأس المال البشري جراء الحرب، تبرز مشكلة هجرة ذوي الكفاءات والتعليم العالي والمهني. ويرى «المركز السوري لبحوث السياسات» أن هؤلاء يشكلون «نسبة مهمة من المهاجرين في ظل الأزمة، وهم قسم مهم من رأس المال البشري في البلاد، يتطلب تعويضه سنوات من التعليم والتنمية، كما يشكل غيابه عائقا جدياً لاستعادة الاستقرار والنمو».

الديموغرافيا
في زواريب السياسة
حركات النزوح الداخلية الكثيفة، واللجوء إلى مناطق الساحل بشكل خاص مثلت أحد أبرز معوقات «التقسيم الطائفي» لسوريا، وفق مصدر حكومي سوري.

ويؤكد المصدر، خلال حديثه إلى «السفير»، أن «هذه الحركات دمرت مشروعاً كان قائماً لتقسيم سوريا على أساس طائفي بحت»، حيث رسم للساحل ليكون منطقة ذات أكثرية علوية وأقلية مسيحية، وللشمال منطقة سنية، وهو ما دمرته حركات النزوح من المناطق الشمالية إلى المناطق الساحلية».

رغم ذلك نجحت الفصائل المسلحة بشكل عام في إجراء عمليات «تطهير طائفي» للمناطق التي تسيطر عليها، لتغدو تلك المناطق ذات لون طائفي واحد، فتعرضت عدة قرى مسيحية وعلوية وسط سوريا لعمليات «إبادة» وتهجير، كما طالت هذه العمليات بعض القرى الصغيرة في الشرق، والمناطق الشمالية لسوريا. رغم ذلك، يرى المصدر الحكومي أن «النازحين سيعودون إلى مدنهم وقراهم بعد تأمينها من دون شك، الأمر الذي سيعيد التوازن إلى تلك المناطق».

على صعيد آخر، تقاسم الأكراد وتركيا أرباح التغيرات الديموغرافية في سوريا، فتمكن الأكراد من تشكيل «كانتون» كردي حدودي مع تركيا يمتد من الشرق إلى الشمال الشرقي، رغم وجود مكون عربي صغير فيه يتعرض للتضييق أو لعمليات صهر متتالية في المجتمع الكردي عن طريق فرض اللغة الكردية كلغة رسمية للمدارس، بالإضافة إلى حملات تغيير أسماء المناطق وتحويلها إلى اللغة الكردية.

بدورها، استفادت تركيا، التي أعلنت أنها تستضيف أكثر من مليوني سوري، من قضية اللاجئين في الحصول على تعويضات من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى التسهيلات المتتالية في عمليات ضمها إلى الاتحاد مقابل إغلاق حدودها في وجه موجات اللجوء إلى أوروبا، ضمن عمليات «ابتزاز سياسية متلاحقة»، بالإضافة إلى ما تتخوف منه بعض القوى المعارضة التركية من عمليات تجنيس للسوريين يمكن أن تتم بعد مكوث اللاجئين مدة خمس سنوات بهدف الاستثمار السياسي من قبل «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، الأمر الذي سيؤدي إلى تغيرات طائفية كبيرة في مناطق الجنوب الغربي التركي ذات الغالبية العلوية.

كذلك، مثّل المسيحيون نقطة تحول ديموغرافية في الحرب السورية، ففي وقت نزح فيه قسم كبير من المسيحيين إلى مدن سورية أخرى، هاجر الآلاف منهم إلى دول الجوار أو إلى أوروبا الأمر الذي أثر بشكل كبير على التركيبة المجتمعية السورية، والتي كان يشكل فيها المسيحيون أكثر من 10 في المئة من السكان.

إذاً، حتى الآن سوريا التي نعرفها لن تعود، ما يدفع الكثيرين للتأكيد على أنه لابد من إيجاد مقاربة جديدة للمسألة السكانية في سوريا، يرى المركز السوري لبحوث السياسات أن هذه المقاربة يجب أن تقوم على «حق الإنسان في الحياة والعيش الكريم والتنمية والعدالة والحماية الإنسانية والمشاركة والتمكين، ولا يمكن تجاوز النتائج المأساوية للأزمة دون مؤسسات تتبنى هذه الحقوق وتعمل على تنفيذها، وتتطلب هذه المقاربة مشاركة حقيقة وفعالة من كافة القوى المجتمعية وفق رؤية مستقبلية حتى يتسنى توفير الطاقات اللازمة للإنجاز»، مشدداً على أن «جوهر الأزمة في سوريا مؤسساتي حيث لم تكن المؤسسات الرسمية وغير الرسمية قادرة على تلبية حاجات وطموحات المجتمع في تنمية تضمينية تحترم حقوق الإنسان وتصون كرامته من خلال مؤسسات شفافة وعادلة، وبالتالي فإن مقاربة المسألة السكانية في سوريا من منظور ديموغرافي بحت غير كاف إذ يجب أن تتمحور هذه المقاربة حول قيمة الإنسان واحترام خياراته في إطار لنموذج تنموي موسع».