يعتبر الحج من أهم العبادات والشعائر الإسلامية، وفي كل سنة تستقبل السعودية ملايين الحجاج والمعتمرين ومن مختلف البلاد الإسلامية، وقد دأبت الرياض على إجراء مباحثات مع مكاتب الحج والزيارة لمناقشة اجراءات الحج والتأكيد على اتفاقيات ومعاهدات عدم تسييس الحج، وكل هذه الاتفاقيات تهدف إلى الحفاظ على الحج كعبادة وشعيرة اسلامية والوقوف بوجه تحويله إلى وسيلة ضغط سياسي أو ماشابه ذلك.

على الرغم من أن السعودية تؤكد على مسألة عدم تسييس الحج في خطاباتها ودائمًأ توجه أصابع الاتهام إلى دولٍ شتى إلا أن الرياض لم توضح تصرفاتها تجاه بعض الدول في مسألة الحج، ولم تقدم تعريفًا واضحًا لسلوكها في هذا الموضوع، هل هو تسييس أم ماذا؟، و خير مثال على هذا السلوك موسم حج عام 1987م حيث نظم الحجاج الإيرانيون مسيرة رددوا فيها شعارات ضد الكيان الإسرائيلي وأمريكا وقبل أن تنتهي المسيرة قامت قوات الأمن السعودية بإطلاق النار على الحجاج، فتحولت الحادثة إلى واقعة دموية راح ضحيتها 402 حاج من جنسيات مختلفة (حسب المصادر الرسمية السعودية)، وفي اليوم التالي أشارت السعودية إلى أن الضحايا سقطوا نتيجة التدافع بعد هجومهم بالعصي والحجارة على رجال الأمن السعوديين، وشددت السعودية في بيانٍ لها أنها ترفض استقبال أي فريق تحقيق إيراني واعتبرت ذلك أنه “مساسًا بأمن المملكة وسيادتها”.

الحادثة وقعت بالرغم من أن الحجاج الإيرانيين كانوا قد حصلوا على إذن من السلطات السعودية بتنظيم المسيرة، حيث تم الاتفاق على أن الإنطلاق سيكون من مساكن بعثة الحج الإيرانية في حي العزيزية في مكة، على أن تسلك المسيرة شارع صدقي وصولا إلى شارع الحَرم لتتفرق في إحدى الساحات التي تبعد عن المسجد الحرام قرابة نصف كيلومتر، وقد كان وزير الأوقاف الباكستاني “شهيد شهيدي” هناك شاهدًا على الاتفاق هذا، وأدلى “شهيدي” فيما بعد بشهادته لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، وكانت شهادة الوزير الباكستاني بمثابة تفنيد لمزاعم الرواية الرسمية السعودية، حيث أكد شهيدي أنه حمل بنفسه مطلب بعثة الحج الإيرانية للسلطات السعودية، وأن السعوديين لم يمانعوا من قيام المسيرة، وشدد “شهيدي” على أن السعوديين هم من نقض الاتفاق، فقبل وصول الإيرانيين إلى ساحة النهاية حاول الأمن السعودي تفريق المسيرة، وبعد أن فشلت قوات الأمن بذلك لجأت إلى الرصاص، ورغم أن وزير الداخلية السعودي نفى استخدام الرصاص الحي لتفريق المسيرة، إلا أن الصور التي نشرتها طهران للمصابين والضحايا تؤكد استخدام الرصاص، كما أن إيران سمحت وقتها للصحفيين الأجانب بتصوير المصابين والضحايا بالإضافة إلى إجراء مقابلات مع شهود عيان.

تسييس الحج لا يقتصر على تلك الحادثة، فمنذ بدء الأزمة السورية منعت الرياض الحجاج السوريين من الوفود لإقامة مناسك الحج طيلة الأربعة أعوام السابقة وذلك بعد أن أغلقت السعودية سفارتها في دمشق نتيجة الخلاف السياسي بينها وبين الحكومة السورية، هذا بالإضافة إلى أن اليمنيين جيران السعودية قد حُرموا أيضًا من الحج وزيارة بيت الله مرتين، الأولى في الستينيات وذلك إثر الأزمة التي حصلت بين السعودية وبين الرئيس السلال، والمنع الثاني حصل مؤخرًا نتيجة الخلاف الذي حصل بين الرياض وأنصار الله.

وفي نفس السياق رفضت السعودية في تسعينات القرن الماضي استقبال طائرات الحجاج الليبية وذلك تنفيذًا للحظر الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على ليبيا أعقاب أزمة لوكربي، كما أن اللافت أن السعودية خفضت عدد الحجاج الأتراك بعد وصول “محمد مرسي” إلى سدة الحكم في مصر، ورغم أن السعودية لم توضح أي أسباب لهذا الإجراء إلا أنه من المؤكد أن للخلاف التركي السعودي حول الإخوان المسلمين في مصر دورًا كبيرًا في القرار السعودي.

هذا وتقوم السعودية في الوقت الراهن بعرقلة وتأخير إصدار تأشيرات للحجاج الإيرانيين، وذلك إثر التوتر الذي حصل بين البلدين جراء إعدام السعودية الشيخ النمر، ورغم أن السعودية أغلقت سفارتها في طهران، إلا أنها أكدت آنذاك أن الحج لن يتأثر بالعلاقة المتوترة بين الرياض وطهران وهذا ما لم يحصل، إذ أن السعودية ترفض الآن إعطاء التأشيرات للإيرانيين عن طريق السفارة السويسرية (التي ترعى المصالح السعودية في إيران) وتصر الرياض على أنها لن تمنح التأشيرات للإيرانيين إلا عبر دولة ثالثة وهذا نوع من العرقلة للحجاج الإيرانيين، كما أن ممثل مؤسسة الحج والعمرة في إيران ذهب إلى الإمارات ليحصل على تأشيرة دخول إلى السعودية لمناقشة الموضوع، إلا أن السفارة السعودية هناك رفضت إعطاءه التأشيرة فعاد خالي اليدين.

هذه الشواهد بالإضافة إلى شواهد أخرى عديدة تؤكد أن السعودية لا تلتزم باتفاقيات منع تسييس الحج وهذه ظاهرة خطيرة، إذ أن ربط السياسة والعلاقات مع الدول بالقرارات التي تخص الحج يعتبر انتهاك لحرمة الحج الذي هو من أعظم شعائر وأركان الإسلام، كما أن هذا السلوك هو إجهاض لهدف الحج الأسمى والذي هو توحيد المسلمين على اختلاف مذاهبهم وأطيافهم وألوانهم، فإدخال السياسية والمصالح السياسية في هذا الموضوع يفرق المسلمين ويشق صفهم، وهذا أمر خطير على السعودية أن تتداركه حتى لا تكون شريكةً مع الدول التي تعمل على إضعاف الإسلام وتشتيت المسلمين.