السعوديون يدركون جيدا ان محاولة ربط السعودية بهجمات سبتمبر 2001 وتحميلها المسؤولية المباشرة او غير المباشرة يضع حبل المشنقة على رقبة النظام ويهدد وحدة اراضي المملكة.

في اجتماع ضم وزير الخارجية الامريكي جون كيري ووليي عهد السعودية إضافة الى وزير خارجية خليجي يُعتقد انه الاماراتي عبدالله بن زايد، طلب كيري من السعودية اغراق الاسواق العالمية بالنفط وقدم التعهد المطلوب “اغرقوا الاسواق العالمية بالنفط وسنحميكم لو قرر الروس مهاجمتكم”. تفاجأ كيري بالحماسة السعودية لسياسية “الاغراق”.
السياسة الكيدية والحقد السعودي تجاه الجمهورية الاسلامية والاكثرية العراقية كانا الدافع الاساسي لتلك الحماسة، لدرجة ان وزير النفط السعودي اصر على سياسة التهور والعشوائية حتى لو وصل سعر البرميل الى 20 دولار.
الحقد على محور المقاومة لم يعطهم مجالاً للتفكير المنطقي بعواقب القرار على اقتصادهم واقتصاد دول الخليج (الفارسي)، او حتى محاولة لفهم الاهداف الامريكية. السعودي اراد تدمير الاقتصاد الايراني حتى يعجز على دعم محور المقاومة من بغداد الى الضاحية الجنوبية مروراً بدمشق، والامريكي اراد الضغط على روسيا وتأديب السعودية على غطرستها.
وعندما قرر ولي ولي عهد السعودية محمد بن سلمان الذهاب الى الحرب في اليمن، كانت الإدارة الامريكية ملمة بقدرات واهلية الجيش السعودي، فنصح جون كيري اصدقائه السعوديين بألا يفعلوها وحذرهم من تداعياتها على منطقة الخليج (الفارسي) برمتها. رفض محمد بن سلمان النصيحة الامريكية وتعهد بإنهاء الحالة الحوثية خلال 10 ايام. كعادته، ظن ان المزيد من السلاح الامريكي والاستعانة بالخبراء الاسرائيليين سيعزز من فرص تحقيق نصر حاسم في اليمن يعيده الى بيت الطاعة، ومن ثم تحقيق حلم ابليس بالجنة – الذهاب الى سوريا.
وبعد سنة من بدء عدوان عاصفة الحزم وبعده عاصفة الأمل، بمشاركة دول عربية مارقة، لم تحقق السعودية هدفها بإنهاء الحالة الحوثية، على العكس، توسعت القاعدة الشعبية للسيد عبدالملك الحوثي وبات زعيما لانصار الله وزعيما لليمن بلا منافس، وباتت طموحات محمد بن سلمان تهدد وجوده وتعجل بسقوط النظام.
الان، محمد بن سلمان منهمك في البحث عن نصر وهمي يجعله ندا لابن عمه محمد بن نايف الذي يبحث ايضاً عن نصر وهمي على الساحة الدولية حتى ولو كان على مستوى شراء الاوسمة.
الوضع الاقتصادي السعودي يتدهور: اسعار النفط لا زالت منخفضة رغم التحسن الطفيف، وتكاليف الحرب على اليمن فاقت تصور القادة السعوديين فضلاً عن الخسائر البشرية، وشراء اصوات الدول في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي (الرئيس السابق لماليزيا مهاتير محمد قبض 650 مليون دولار من السعودية والان تجري محاكمته) وتمويل الارهابيين بالمال والسلاح، ودفع رواتب المرتزقة وجيوش الدول العربية المارقة، وصفقات الأسلحة وشراء ولاء القبائل، وتكاليف الاستعانة بالخبراء الاسرائيليين. لو حسبها السعوديون صح ما وقعوا في هذه الأزمة. من كان ليصدق قبل عام او عامين ان السعودية الغنية تبحث عن من يدينها 10 مليارات دولار؟
كل ما يجري في السعودية وحولها ليس اسوأ مخاوفها، ولا الكابوس الذي يقلق آل سعود ويهدد كيانهم. السعوديون يدركون جيدا ان محاولة ربط السعودية بهجمات سبتمبر 2001 وتحميلها المسؤولية المباشرة او غير المباشرة يضع حبل المشنقة على رقبة النظام ويهدد وحدة اراضي المملكة. تصريحات اوباما لمجلة اتلانتك تشير الى عمق الخلافات بين الولايات المتحدة والمملكة. حمل اوباما السعودية مسؤولية تصدير الفكر الوهابي الى الدول الإسلامية والاوربية وبالتالي يحملها مسؤولية الارهاب الذي ضرب نيويورك ويضرب الشرق الاوسط واوربا وافريقيا. جاءت التصريحات بعد النقد القاسي لنائب المستشارة الالمانية ميركل ومسؤولين اوربيين اخرين للسعودية. الغرب بات مقتنع ان السعودية هي مصدر ومُصدِر الارهاب.

مقاضاة رعاة الارهاب
امام مجلسي الشيوخ الامريكي “مشروع قانون” تقدم به السيناتور الديموقراطي عن نيويورك تشاك شومر والجمهوري عن تكساس جون كورنين واطلقا عليه اسم “قانون العدالة ضد رعاة الارهاب”. المشروع يطالب بتشريع قانون يسمح لذوي ضحايا باتخاذ اجراءات قانونية ضد اي دولة تقتل او قتلت امريكيين على الاراضي الامريكية. تشريع القانون يحتاج الى موافقة مجلسي الشيوخ والرئيس الامريكي. جون كورنين وصف “مشروع القانون” بأنه حيوي جدا لوقف مصادر تمويل الارهاب.
السعودية فقط اصابها الهلع لأن تشريع القانون يتيح لذوي ضحايا هجمات سبتمبر 2001 مقاضاتها في المحاكم الامريكية على دورها في رعاية ودعم الارهاب. يواجه “مشروع القانون” عقبات تبدو ضعيفة وغير منطقية لكن طالما الامر دائما يتعلق بالمال تصبح تلك العقبات مؤثرة وفعالة. الرئيس اوباما هدد باستخدام الفيتو اذا وافق مجلسي الشيوخ على المشروع لأنه يفتح الابواب امام الافراد بمقاضاة الولايات المتحدة في بلدانهم، والسبب الثاني التداعيات المالية والدبلوماسية التي ستنتج في حال مقاضاة دولة حليفة للولايات المتحدة (جيمي ريتشيز والد الضحية جيم ريتشيز رد على فريق اوباما “انظر ماذ فعلوا بنا – 3000 عائلة فقدت احبائها ونحن قلقون على مشاعرهم، شيء معيب”). السبب الثالث وهو الاهم جاء على لسان المتحدث باسم البيت الابيض جوش ارنست “تشريع القانون يعرض الامريكيين واعمالهم في الخارج للخطر”. لماذا سيتعرض الامريكيين واعمالهم في الخارج للخطر؟ لأن السعودية ستوجه الارهابيين التكفيريين لمهاجمة المصالح الامريكية. اليس هذا ما يلمح اليه؟
هناك سبب رابع لا يأخذ حقه في الجدل القائم. في حال تمت الموافقة على القانون، يمكن لمحامي عوائل الضحايا استخدام القضية المرفوعة ضد المملكة للكشف عن محتويات الصفحات الـ28 التي صنفها الرئيس بوش عام 2002 “سري للغاية”، والتي في اعتقاد السيناتور السابق عن ولاية فلوريدا بوب غراهام تحتوي على ادلة تؤكد رعاية النظام السعودي للارهابيين (التمويل وتسهيل دخولهم الى الولايات المتحدة)، واكدها النائب عن كنتاكي توماس ماسي Thomas Massie، ما يعني المسؤولية المباشرة للدولة السعودية، وبالتالي لا يعود اعتبارها هجمات ارهابية بل “اعلان حرب” بحسب رأي بوب غراهام (الصورة) الذي يقود الحملة لرفع السرية عن الـ28 صفحة.

عندما اتخذ الرئيس جورج بوش قراره بتصنيف الصفحات “سري” برر قراره “اذا عُرضت الصفحات على الرأي العام ستتعرض العمليات الاستخباراتية للخطر”. مبرر ضعيف جدا. السيناتور الديموقراطي عن ولاية ماساتشوسس ستيفن لينش Stephen Lynch رفض مبرر ادارة بوش “الامر يتعلق بعلاقة ادارة بوش بالسعوديين”. كان بندر بن سلطان آل سعود معروف باسم بندر بوش في اشارة الى العلاقة المالية بين آل بوش وآل سعود.
لا بد من الاشارة الى نقطة مهمة وهي ان جميع المعارضين لمشروع القانون لم يقولوا كلمة واحدة تبريء المملكة العربية السعودية.

معارضة اوباما وبعض رجال الكونغرس لا يعني ان مشروع القانون ولد ميتاً، لأن القضية باتت قضية رأي عام عنوانها “تذكروا سبتمبر”. المرشح الديموقراطي بيرني ساندرز تردد قبل ان يُعلن تأييده للمشروع بينما المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون حسمت امرها مباشرة علما ان علاقات مؤسسة كلينتون بآل سعود معروفة. من المبكر اعتبار تأييد كلينتون للقانون مجرد سلعة انتخابية. المرشح الجمهوري المتقدم دونالد ترامب يغرد خارج كل الاسراب. فقد اعلن بصراحة انه لن يشتري النفط السعودي. آمال السعودية بتغيير الرئيس القادم مواقفه، ايٍ كانت هويته، جمهوري او ديموقراطي، تتضاءل يوما بعد يوم.

المملكة تهدد
تمرير مشروع القانون اثار هلع المسؤولين في المملكة لأنهم يعرفون العواقب الوخيمة لتمريره، لذلك سارع وزير الخارجية عادل الجبير الى تهديد الكونغرس ببيع الأصول السعودية التي تُقدر بحوالي 750 مليار دولار. واشارت بعض الصحف الى ان السعودية هددت بمقاطعة الولايات المتحدة اقتصاديا. أثار تهديد الجبير غضب اهالي ضحايا هجمات سبتمبر وغضب العارفين بدور السعودية والعائلة الحاكمة بنشر الفكر الوهابي الذي يحرك جميع الحركات الارهابية في العالم، داعش وجبهة النصرة وطالبان بفرعيها الأفغاني والباكستاني والقاعدة وبوكوحرام فضلا عن عشرات الحركات الارهابية في سوريا. كانت بعض ردود الرأي العام قاسية جداً لكن الرد الاقسى والملفت جدا جاء في العنوان الرئيسي لصحيفة “نيويورك دايلي نيوز” “الحثالة الملكية Royal Scum”.

اذا مرر الكونغرس “مشروع القانون” واصبح نافذاً، ستقوم الولايات المتحدة بتجميد الاصول السعودية لحين يرفع ذوي ضحايا هجمات سبتمبر وصدور القرار النهائي. وفي حال قررت السعودية بيع اصولها استباقاً لاي قرار ستكون خطوة غبية لأنه من المرجح وربما المؤكد ان تقوم الولايات المتحدة بتجميد الأرصدة لحين البت في القضية وصدور الحكم النهائي الذي سيكون بالتأكيد لصالح عوائل الضحايا، فضلاً عن الانتقام من السعودية بالكشف عن الصفحات السرية، ولا يحتاج الامر الا شحطة قلم من اوباما او الرئيس القادم. بمعنى، على السعودية ان تنسى الـ750 مليار دولار وان تعمل على انقاذ رأس النظام من السقوط.
المثير للسخرية والقرف في آن، فقط، صحيفة سعودية بذكاء يفوق الذكاء الاينشتي اكتشفت ان لوبي ايراني يزج اسم المملكة في هجمات سبتمبر. فعلاً، انهم من امة لا تقرأ.

ماذا يجري في الكواليس؟
الحقيقة المؤكدة ان نظام آل سعود في قفص الاتهام:
1- ممارسة الارهاب؛
2-  دعم وتمويل وتسليح الارهابيين (تسليح وتمويل الارهابيين في سوريا دليل قاطع لن تتردد الولايات المتحدة في استخدامه ضد السعودية)؛
3-  نشر الفكر الوهابي الارهابي؛
4-  ارتكاب جرائم حرب في اليمن (تقرير الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان).
الولايات المتحدة تملك الادلة الكافية لإدانة السعودية، فهل حان موعد محاسبة الراعي الاول للارهاب العابر للحدود الوطنية؟ مقولة “هاجمنا الدولة الخطأ عام 2003” تثير الرعب في صميم الكيان السعودي. اوباما في مأزق، والمشرعون الامريكيون في مأزق ايضاً، وعليهم الاختيار بين المال السعودي او محاسبتها على مسؤوليتها المباشرة وغير المباشرة لهجمات سبتمبر وسقوط اكثر من 3000 ضحية.
يجب ان لا تفلت من العقاب على حد تعبير والد احد الضحايا. وقالت زوجة احد الضحايا “الطريقة الوحيدة لمحاربة الارهاب هي ملاحقة ممولي الارهاب بالقنابل والطائرات بدون طيار ومقاتلين على الارض – لا يمكن هزيمة داعش الا بملاحقة مموليها الاغنياء” في اشارة الى السعودية. هناك همس بأن تقوم بلجيكا وهي احدى ضحايا الارهاب الوهابي بالمبادرة لملاحقة السعودية في المحالكم الدولية.
في حديث جانبي خلال استراحة الغداء، قال احد مسؤولي وزارة الخارجية الامريكية “اذا كان آل سعود يعتقدون اننا سنهرع لانقاذ النظام واخراجه من أزماته فهم واهمون، واذا كانوا لا يدركون ان السعودية التي نعرفها لم تعد موجودة فهم يعيشون حالة متقدمة من النكران”. فقد ال سعود توازنهم وانتهت صلاحيتهم، بمعنى ان نظام آل سعود الوهابي لم يعد صالحا للمرحلة المقبلة.
هناك همس في اروقة الدول الكبرى والفاعلة على الساحة الدولية تؤكد الاستعداد لمرحلة اُطلق عليها “ما بعد آل سعود”. والاسوأ ان تقسيم السعودية الى اربع دول بات امرا ضرورياً وحيوياً لعودة الاستقرار الى المنطقة، برأي جنرال امريكي سابق.

الخلاصة
قبل انطلاقة الحرب على اليمن، كانت السعودية في ظل علاقاتها مع الدول الخمس الكبار (الصين خفضت شراءها للنفط السعودي بنسبة 23%)، والثروة النفطية في موقع القدرة على منافسة ايران، لا سيما ان ايران لا تدخل في منافسات استراتيجية مباشرة وعلنية مع دول المنطقة العميلة (Client States) على حد تعبير نعوم تشومبسكي، بل تتبنى استراتيجية ملء الفراغ وهي استراتيجية غير تصادمية. وكانت السعودية، على الأرجح، مؤهلة لان تحقق نجاحات لو تبنت الدبلوماسية الصحيحة واستخدمت المال في المكان الصحيح والمجال الصحيح بدلا من سفك الدماء في اليمن وسوريا والعراق والى حد ما لبنان، وتمويل القتلة وأكلة لحوم البشر. طال الزمن او قصر، ستدفع ثمن رعايتها للإرهاب.