وجه مفكرون وعلماء ومثقفون في ايران وسائر بلدان العالم رسالة ردا على الاساءة التي وجهها الرئيس الفرنسي “ماكرون” للنبي الاعظم (ص)، مطالبين المجتمع الدولي باتخاذ مايلزم تجاه انتشار الكراهية وضياع حقوق الانسان وعدم احترام القيم الثقافية والاجتماعية ،ووضع القوانين المؤدية الى احترام الاديان والمقدسات.

فيما يلي نص هذه  الرسالة :

بسم الله الرحمن الرحيم

ايها المفكرون والعلماء والمثقفون ويا اصحاب الآراء المرموقة في العالم وايها الشعب الفرنسي المبجل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ان فلسفة الديموقراطية الصالحة والنزيهة هي احترام البشرية، و اي سلوك يؤدي الى أهانة البشرية والتمييز العنصري والكراهية سواء كان بذريعة الليبرالية و الديموقراطية او انتهاج منطق القوة والدكتاتورية، يعتبر بادرة ضد حرية الانسان. فالديموقراطية لاتتلائم مع المعايير المزدوجة، يعني استخدام العنف مع قوم والتسامح مع الآخرين.

ان اهانة نبي الاسلام المكرم ( ص ) يعتبر من جهة اهانة لجميع الاديان السماوية، واهانة لكل المجتمع الانساني كما سيؤدي من جهة اخري الي ايلام شريحة كبيرة من البشرية كالمجتمع الاسلامي. وبالتاكيد سيؤدي الى اتساع أجواء الكراهية والاذى وعدم الرضا في اوساط المجتمع.

ان الواقع يحتم علينا، العمل وفقا للاصل العقلائي، والذي يرى، بان الانسانية لابد لها ان تلجأ الى نداء السماء،والقبول بالحياة الحقيقيةالسليمة،وان اقل ما يدعو اليه عقلاء العالم، هو ضمان احترام المجتمع الانساني والاعتراف بان الانسان والبشرية، مأثرة الخلق الكبرى.

اننا اليوم نعيش في ظروف تتصاعد فيها نسب الظلم وعدم احترام حقوق اﻵخرين بشكل متزايد ومؤثر، يفوق القرون السالفة وقد ادى الظلم والتمييز الى اتساع أجواء الكراهية.

ان فرنسا وافكارها الاوروبية المحور قداصبحت مصدر اخطاء كبرى في التاريخ، اسفرت عن اسر قوم، ونهب ثروات اﻵخرين وارتكاب مجارز،وتسلط غاشم على اكتاف الشعوب المضطهدة في كافة بقاع العالم،وباختصار (العبث بحقوق الانسان،والحرية، وحرية المجتمعات البشرية،.)

واليوم ايضاّ وبنفس النزعة والاسلوب السابق،ولكن بمعايير مزدوجة تسعى الى نشر أجواء الكراهية والمواجهات الاجتماعية،وايلام مجموعة كبيرة من المجتمع الانساني والذي يبلغ عدده حوالي الملياري نسمة.

ان فرنسا المعاصرة في سعي مستمر لبث بذور الفرقة في اوساط اتباع الديانات الابراهيمية، باتباع نهج الاسلامفوبيا ، وهو تقليد اصولي وآيديولوجي امريكي وفرنسي، وقد ظهر الى مسرح الواقع الاجتماعي، بالسعي الى الفصل بين المجتمع الاسلامي عن غيره ، والصاق التهم المخوفة والتمييز الوظيفي والاجتماعي و ايجاد الاشتباك القاسي بين المسلمين و الشرطة الفرنسية.

في مسيرة الدفاع عن حقوق الانسان وحرية التعبير والديموقراطية ستكون الهيئة الحاكمة في فرنسا هي آخر من يتحدث عن هذه الحقوق الانسانية،لان تاريخها حافل بالاجرام في حق الانسانية والابادة البشرية والقتل الجماعي واخماد الثورات بالقمع التعسفي،وتشير القائمة ادناه، الى بعض ما قامت به فرنسا من اجرام في القرن العشرين.

1)-1940 في الجزائر وقد انتفض الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي وادت انتفاضة الجزائريين الى استشهاد اكثر من مليون شهيدومئات اﻵﻻف من المفقودين والجرحى والمهجرين،. ان القتل المبرمج في الجزائر استمر بالقتل الجماعي في صطيف وغوئلما عام 1945 الى عام 1962 تزامنا مع اعلام استقلال الجزائر وقد استشهد 30 الف مسلم جزائري ايضا على يد الفرنسيين،هذا وقد بدأت فرنسا الابادة الثقافية منذ عام 1830 وغيرت الكثير من المعالم الثقافية والدينية.

2)  29 نوفمبر عام 1947 لقد اقدمت القوات الفرنسية على ابادة قرية عن بكرة ابيها في فيتنام واحرقوا 326 بيتا، وقد تم اغتصاب اكثر نساء القرية قبل قتلهن علي يد الجنود الفرنسيين، وقُتل 300 من العزل 170 إمرأة و157 طفلا.

3) عام 1963 ابادة جماعية شملت الجزائريين الذين تظاهروا في باريس ضربا وجرحا وغرقا في نهر السين راح ضحيتها اكثر من 300 جزائري.

1994 قدمت فرنسا السلاح والتدريب العسكري الى المليشيات المسلحة (جوونال ابياقيمانا)  بشكل مكثف لحرب ابادة نيابية في رواندا عام 1994 وقد اودت بحياة 800 الف شخص خلال ثلاثة اشهر، مع ان التقرير الرسمي والذي قدمته لجنة اوغاندا يحتوي على اربعمائة صفحة، وقد نشره بائول كاغاما رئيس جمهورية رواندا في عام 2007، يبرهن بوضوح بان الجنود الفرنسيين قاموا بالقتل المباشر للتوتسيين والهوتوهيين وكذا تم الاعتداء على ذوي القتلى التوتسيين.ولكن المسؤولين الفرنسيين، لم يقدموا اي اعتذار بل وان آلن جوبه وزير خارجية فرنسا آنذاك (اي زمن الابادة) كان يرى ان ملاحقة القتلة قضائيا فيه نوع من تحريف التاريخ.

الباحثون الموقرون والعلماء الامجاد المحترمون

لقد انتهكت فرنسا حقوق الانسان مرارا وتكرارا طيلة فترة احتلالها و تواجدها الاستعماري في القارة الافريقية . ان فرنسا قد اقدمت على احتلال اكثر من 20 دولة في غرب وشمال افريقيا خلال عام 1524 اي انها قد سيطرت على 35% من القارة الافريقية ولمدة تجاوزت الثلاثة قرون، ونهبت ثروات المنطقة الافريقية خاصة في السنغال وساحل العاج وبنين، وقد واجهت حركات التحرر كل انواع القمع والعنف و فقد اكثر من مليوني بريء ارواحهم جراء العنف الفرنسي المتغطرس. وضعت فرنسا بعض القوانين في دستورها من اجل الدفاع عن حقوق الانسان ومقارعة العنصرية والكراهية والتمييز العنصري، وبامكان تلك القوانين ان تكون ذريعة مناسبة لادانة اهانة المقدسات، نشير ادناه الى اهم تلك القوانين الحقوقية الواردة في الدستور الفرنسي والتي تجرم الافعال التي توجب الكراهية والتمييزالعنصري واهانة الاديان وتشير الى معاقبة مرتكبيها.

-القوانين الخاصة بالكراهية والواردة في اعلان حقوق انسان المواطن الفرنسي (المصادق عليها في عام 1789 ) والمندرجة ضمن القوانين المدنية والجزائية وتحذر هذه القوانين من الاساءة او الاهانة الى المواطنين لانتمائهم الديني والقومي والوطني والعنصري.

-اضف الى ذلك، هناك مواد قانونية اخرى تشير الى عدم التعرض الى اﻵخرين واستفزازهم بتمييز عنصري وكراهية موهنة،او ارتباطهم بمجاميع واقعية كانت ام افتراضية، او بقومية وشعب،وعنصر او دين او مذهب، ويعاقب كل من ينتقضها، بالحبس والجزاء النقدي، وتعليق بعض حقوقه المدنية، كالمواد (24 ، 32، 33، وكذا قانون حرية الصحافة الفرنسية الذي تم المصادق عليه في 29 تموز 1881)

وهناك قانون متبني من قبل الدولة الفرنسية عام 1972 يشير الى ايقاف نشاط كل المجاميع الداعمة الى التمييز العنصري، و قانون مكافحة نشر الكراهية المصادق عليه  13 ماي 2020 فانه يمنع اي مضمون ينشر الكراهية في المجتمع.

مع هذا كله فان نشر الكراهية والاهانة المستمرة الصادرة عن مجلة شارلي هبدو ضد الاسلام والمسلمين والنبي الاكرم (ص)، والتعامل الايجابي للرئيس الفرنسي مع هذا الاقدام المشين على الرغم من كونه يناقض القوانين الفرنسية، فانه غير ملاحق جزائيا، بل ويقف الرئيس متحيزا ومجحفا الى جانبه تحت عنوان الدفاع عن حرية التعبير.

ان اي دفاع عن الشعب الفلسطيني المظلوم او اي سعي للتنديد تجاه التمييز العنصري الصهيوني او السؤال عن علل الاجرام المهول الذي يقوم به الكيان الصهيوني ( قاتل الطفولة والاطفال)، يواجه بردود فعل سريعة وعنيفة ومتابعة قانونية وجزائية. لكن من جهة اخرى نشاهد ان اهانة الديانة اليهودية تعتبر امر غيرقانوني ويستحق مرتكبه عقوبات مدنية وجزائية، ويشمل كل من يشكك بالهولوكوست وفقا لقانون لوي غيست الخاص (الذي تم المصادق عليه في 13 تموز 1990 ).مع ان الاسلام والذي هو آخر الديانات السماوية والنبي الاكرم صلوات الله وسلامه عليه خاتم النبيين وان اتباع هذا النبي (ص ) يبلغ عددهم الملياري نسمة ، يتعرضون الى مختلف الاهانات والتمييز العنصري والتخويف. واتباع هذه الديانة تحت ضغوط الاسلاموفوبيا مهددون بالقتل والحرب دون ان يصدر اية ردة فعل من السلطات الفرنسية ولو على نحو المجاملة، ومن الطبيعي ان الاسلام والمسلمين الحقيقيين يرفضون اية اهانة الى الاديان السماوية واتباعها ويحترمون كل القيم الانسانية للشعوب ولايرون فرقا بين المسيحية واليهودية والاسلام في هذا المجال.

ان النظرة الانانية والاستعمارية الظالمة تجاه افريقا زمن الاستعمار وايضا النظرة العنصرية الصهيونية تجاه الشعب الفلسطين لايجوز لها ان تستمر في هذا العصر.

ختاما نؤكد بان نظرتنا تجاه الشعب الفرنسي المحب للعدالة تختلف عن ماهي تجاه الدولة الحاكمة.ونؤمن بان الخيرين من الشعب الفرنسي سيقفون بوجه هذه التصرفات ويصدون الاهانات ويقفون بوجه التمييز العنصري تجاه المسلمين،ونرجو ان لاتستغل السلطة الاوضاع الراهنة في مسيرة انتشار الظلم تجاه مسلمي فرنسا،ومن ثم يتبادر الى الاذهان تاريخ فرنسا الاستعماري القديم.

نحن المقررون لهذه الرسالة نؤمن بان الالتفات الى الاخطاء الراديكالية الفرنسية السالفة وتصحيح النظرة العنصرية الخاطئة في الجانب السياسي واحترام احرار العالم والشعب الفرنسي بامكانها ان تصحح مسيرة التعامل وعبور حالة الطوارئ والمنازعات، وتقديم الحلول البديلة.

نطالب مجلس الامن وامين عام منظمة الام المتحدة ومحكمة لاهاي الدولية، اتخاذ مايلزم تجاه انتشار الكراهية وضياع حقوق الانسان وعدم احترام القيم الثقافية والاجتماعية،ووضع القوانين المؤدية الى احترام الاديان والمقدسات للوقوف امام اهانة الانبياء السماوية، ووضع العقوبات الجزائية للحؤول دون ذلك.

نرجو من الزعامات الدينية خاصة الاسلامية والمسيحية واليهودية، بالتعاون والتوادد والتآلف، الوقوف بوجه كل ما يوجب الكراهية بين اتباع الديانات والاقوام ويؤدي الى الاعتداء عليها،وان لايسمحوا للعنصريين الراديكاليين التطاول على المقدسات وسحق  حقوق الانسان تحت اقدامهم.

واذ ننصح السيد ماكرون رئيس جمهورية فرنسا في هذه الظروف التي يعم العالم كوفيد-19 والذي اودى بحياة جمع كبير ويهدد الحياة العامة للبشرية ويحملها هواجس مختلفة، ننصحه بعدم ارتكاب اهانة النبي الاكرم (ص) للحؤول دون تأزم الاوضاع في المستقبل ومواجهة مزيد من الاضرار الناتجة عن فايروس الكوفيد-19 الشامل وفايروس اشعال كراهية-20 والذي بامكانه ان يوسع حجم الازمات الاجتماعية اكثر فاكثر.

/انتهى /