تناول الإمام موسى الصدر في لقاء له مع طلاب الجامعة اللبنانيّة حول دور الطلاب في بناء المستقبل أو في بناء المصير. وقد ختم كلمته أو عنوان محاضرته بكلمة تمنيات وابتهالات لأنه وجد في الظروف آنذاك، وخاصة بالنسبة إلى الطلاب، أن حديثه لا يدخل في عنوان النصائح، أو عنوان التوجيهات، بل يدخل تحت عنوان التمنيات والابتهالات.

برس شيعة:
هاتان الكلمتان تعطي للمحاضرة صورة فريدة، صورة مليئة بالإخلاص والرغبة في أداء الخدمة. مع العلم أن المتكلم عن الموضوع هو رجل دين، فما تحدّث عنه الإمام في تلك المحاضرة هو من خلال رؤيته الخاصة، ومن خلال اختصاصه،  فقد أحبّ الإمام  قبل أن يتحدّث عن تمنياته للطلاب أن يفسّر موضوع المحاضرة، وأحبّ أن يحدّد معنى كلمة “الطالب”. من هو الطالب؟ ولماذا نتحدث عن الطالب؟ وما هي ميزات الطالب؟ من هو الطالب الذي نبحث عنه؟ عفوًا، إذا أقول بلساني ما تمارسونه أنتم.

الطالب هو شاب يتعلم، فعنده من الكفاءات: كفاءات الشاب وكفاءات التعلم. ما هي كفاءات الشاب؟ وما هو الفرق بين الشاب والكهل؟ مع العلم أنه في المنطق الديني (أريد أن أعطي مبررًا لنفسي في المنطق الديني)، حتى الكهل إذا كان مؤمنًا عاملًا صالحًا حسب تعبير الدين، فهو يلتحق بالشاب. الفرق بين الشاب والكهل أن الشاب يتمتع بميزات مادية ومعنوية لا يتمتع بها غيره.

أولًا: قوته أكثر، وهذا شيء واضح. والقوة قاعدة، ووسيلة وسبب للنجاح دائمًا، لأن كل سعي بحاجة إلى طاقة، فكلما كانت الطاقة أكثر، فالسعي يصبح أوفر.

ثانيًا: صبر الشاب أكثر أمام الصعاب. وهذا أيضًا عنصر من عناصر النجاح، لأن السعي بحاجة إلى تحمل المشاق، خاصة فيما يعود إلى التغيير والتبديل، وخاصة فيما يعود إلى مقابلة المحافظين المتمسكين.

ثالثًا: الشاب صبره أكثر أمام الرغبات والأهواء. ربما يبدو هذا العنصر غريبًا، ولكنه الحقيقة.

رابعًا: فرصته اليومية أكثر. لأن الرجل الكبير كثيرًا ما خلال 24 ساعة ما يحتاج إلى راحة.

خامسًا: حماس الشاب عند اللزوم أكثر، هذا الشيء الذي يكرس إحساس الشاب النفسي أمام الصبر الذي ذكرناه أمام الرغبات.

هذا يعني أن عوائق التحرك أمام الشاب أقل من غيره. غير الشاب، حينما يريد أن ينطلق أو يثور أو يغير أو يقدم أطروحة جديدة للنظام، يصطدم بمصالحه ومصالح أهل بيته ومصالح أرحامه وأصدقائه. ويلتزم بما قال في المجلس الفلاني وفي السنة الفلانية. آلاف من الخيوط أمام الإنسان الكبير تحول غالبًا دون تمكنه من الانطلاق والسعي للتغيير.

ثم أكثر من كل هذا، فرصته الزمنية على طول العمر، أفضل من غيره. يعني الشاب حينما يريد أن يخطط، بإمكانه أن يضع برنامجًا لـ20 سنة، أو لـ30 سنة لأنه يعرف أن أمامه مجال طويل.

ومن الناحية الروحية: إمكانات الشاب أكثر، حيث إنه يعتبر أن كل شيء ممكن. قد تبدو هذه مبالغة لأنه ليس كل شيء بالفعل ممكنًا. ولكن شعور الإنسان الشاب بأن كل شيء ممكن، هذا يقدم له رصيدًا هائلًا وكبيرًا في الانطلاق وفي السعي، فلا يجد الشاب شيئًا مستحيلًا أمامه وهذه أيضًا فرصة.

من الناحية النفسية: صفاء نفسه وخلايا دماغه (أطرى) مما يؤدي إلى سرعة الذاكرة، وسرعة العزم، وسرعة الاستيعاب، وسرعة التذكر.

وعلى الصعيد العملي فالطالب من يدرس فيعيش العلم، يعيش العلم أكثر مما يعيش الواقع. والشباب يفرّقون بين الواقع والحقيقة كما نعرف. طبيعة هذا العيش المشترك، مع العلم لا مع الواقع، أنهم يصبحون أقرب إلى المثالية والإخلاص; لأن الحياة في الواقع مليئة بالظلمات، بالمصطلح الديني، مليئة بغير العلميات، مليئة بالظلم الفردي والجماعي، مليئة بالزيف وعدم الحقيقة. بينما الطالب ساعات يعيش في الكتاب ومع الأستاذ، ومع الآراء والنظريات، ومع المطالعات، ومع المذاكرات، بالتالي نتمكن أن نقول أكثر ساعات يقظته، يقضيها مع العلم.

فإذًا، الشاب كشاب يملك طاقات هائلة، وكطالب يعيش العلم والحقيقة أكثر مما يعيش الواقع الخارجي. وثانيًا كطالب يعيش مع تجدد العلم، وهذه أيضًا نقطة أساسية، الحقيقة أو الواقع الخارجي؛ حتى العلماء والفنانين والأدباء والخبراء في خارج الجامعة، هم الذين يعيشون غالبًا العلم قبل سنوات، حينما كانوا في الجامعة، بينما الجامعة تعيش ويعيش معها طلابها العلم المتجدد الدائم. والفرق في هذه الظروف كبير جدًا. لأنه سابقًا الآراء والنظريات ربما كانت تحتاج إلى سنوات وعشرات السنين حتى تتجدد، بينما في ظرفنا الحاضر، كل يوم وكل شهر وكل سنة، آراء جديدة تختلف عن الآراء القديمة في مختلف الحقول.

فإذًا، الطالب يعيش العلم. والطالب يعيش العلم المتجدد الدائم، فهو أقرب إلى الحقيقة من العالِم في خارج الجامعة، وفي غير حالة الطلب. هذا موجز النتيجة.

بكل صراحة، هذه الإمكانيات، وهذه الثروة البشرية الهائلة عند الطلاب، دون مجاملة، أو دون محاولة، -غير محاولة وضع المسؤوليات والابتهالات والتمنيات والرجاء المخلص- الشاب الطالب ثروة في كل مجتمع؛ لأن الشاب بما عنده من الإمكانات هو صانع المستقبل. والمجتمع دون الشاب الطالب، مجتمع أبتر، لا مستقبل له بل هو مستقبل جامد، وعدم التغيير بين الحاضر والمستقبل معناه الموت، معناه الجمود. فإذًا، الشاب هو القطعة المتحركة بالمجتمع، أو بتعبير فلسفي حديث قديم، هو Antithèse في كل مجتمع، الذي يتمكن أن يكوِّن المستقبل بقدرته وكفاءاته وإمكاناته. هذا، في كل مجتمع./انتهی/