ذكرت إحدى الصحف العربية أن “الأشهر المقبلة ستكون مليئة بالمفاجآت” ، مستشهدة بثلاثة تطورات استراتيجية رئيسية على الجبهة السورية ، بما في ذلك زيارة سرية قام بها كبار المسؤولين الأمريكيين إلى دمشق.

أفادت وكالة شيعة برس الاخبارية، نقلاً عن صحيفة الرأي العام أن الدولة السوريّة إن لم تَعُد إلى جامعة الدول العربيّة، فإنّه من الواضح أنّ الدّول التي جمّدت مِقعدها فيها قبل عشر سنوات بطلبٍ أمريكيً هي التي تعود إلى دِمشق تدريجيًّا، وبتعليماتٍ، أو عدم مُعارضةٍ أمريكيّة.

ثلاثة تطوّرات مُهمّة تَعكِس تغيير الكثير من المواقف تُجاه الدولة السوريّة.

ثلاثة تطوّرات مُهمّة تَعكِس تغيير الكثير من المواقف تُجاه الدولة السوريّة، والرئيس السوري بشار الأسد وحُكومته في الأيّام القليلةِ الماضِية:

الأوّل: الزّيارة السريّة التي قامَ بها مَسؤولان أمريكيّان على أعلى المُستويات إلى دِمشق في آب (أغسطس) الماضي، الأوّل روجر كارستينس، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لشُؤون المَخطوفين، وكاش باتل، مُساعد الرئيس الأمريكي، ومدير مُكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، حيث اجتَمعا باللّواء علي المملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني السوري في مكتبه في دِمشق.

الثّاني: استئناف رحَلات الطّيران الرّسمي السّوري إلى كُل من قطر والنظام الإماراتي بعد انقِطاع استمرّ 10 سنوات تقريبًا.

الثّالث: إخلاء الحُكومة التركيّة نُقطة مُراقبة عسكريّة لها في “قاعدة مورك” في ريف حماة بعد مُحاصرتها من قوّات الجيش السوري، ومُغادرة عشَرات الشّاحنات التركيّة مُحمّلةً بالجُنود والمَعدّات الثّقيلة بمُرافقة سيّارات تابعة للشّرطة العسكريّة الروسيّة لحِمايتها، تَجنُّبًا لمُواجهةٍ محسومةِ النّتائج.
اللّافت أنّ جميع هذه التطوّرات، أو بالأحرى الإنجازات، تتحقّق دون أن تُقدّم الحُكومة السوريّة تنازلًا واحدًا حسب آراء جميع المُراقبين، الذين أكّدوا أنّ الأمر يعود إلى صُمود الجيش العربي السوري في جبَهات القِتال، وتمسّك الحُكومة السوريّة بجميع أركان سِياساتها الإقليميّة والعالميّة، وكظم الغيظ والصّبر الطّويل.

الرئيس دونالد ترامب الذي نجح في الضّغط على دولتين عربيّتين من أجل الانخِراط في “مهرجان” التّطبيع مع الاحتِلال الإسرائيلي، وهُما الإمارات و البحرين، وربّما قريبًا السودان، وأرسل مبعوثيه سِرًّا إلى دِمشق على أمل أن ينجح في الإفراج عن سِتّة من المُواطنين الأمريكيين المُحتجزين في سورية، وبِما يُعزّز فُرص فَوزه في الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة، ولكن صلابة الموقف السّوري فوّتت عليه هذه الفُرصة.

الرئيس ترامب كان وما زال في حالةِ يأسٍ وارتباكٍ بسبب رفض الرئيس الأسد الرّد على رسالةٍ خطيّةٍ أرسلها إليه ويُطالب فيها بالإفراج عن  المُعتقلين.

الرئيس ترامب كان وما زال في حالةِ يأسٍ وارتباكٍ بسبب رفض الرئيس الأسد الرّد على رسالةٍ خطيّةٍ أرسلها إليه ويُطالب فيها بالإفراج عن هؤلاء المُعتقلين، وأحدهم يُوصَف بأنّه صحافي مُستقل، وتُؤكّد مصادر سُوريّة ارتِباطه بالمُخابرات الأمريكيّة هو أوستين تايس.
الحُكومة السوريّة لم تُعَلِّق مُطلقًا على ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكيّة التي كانت أوّل من كشف هذه الزّيارة السريّة للمبعوثين الأمريكيين، وتركت الأمر لصحيفة “الوطن” غير الرسميّة لتأكيدها، والقول بأنّ الجانب السوري أصرّ على انسِحاب القوّات الأمريكيّة كُلِّيًّا من شِمال وشَرق سورية قبل الحديث في أيّ موضوعٍ آخِر.

إدارة الرئيس ترامب استخدمت سِياسة العصا والجزرة مع سوريا على أمل أن تتجاوب مع مطالبها المَذكورة آنِفًا، العصا بقانون قيصر الذي يُشَدِّد العُقوبات على سوريا، أمّا الجزرة فتتمثّل في الإعلان على لِسان جيمس جيفري، المبعوث الأمريكيّ لدى سوريا وقال فيه أنّ واشنطن لا تُريد تغيير النّظام في سوريا وإنّما سُلوكه، ولكنّ الحُكومة السوريّة لم تُرهِبها العصا، ولم يُغرّها الجزرة الأمريكيّة المسمومة.

نشرح أكثر ونقول إنّ إرسال مبعوثين اثنين مُساعدين للرئيس ترامب شخصيًّا إلى دِمشق يُعتبر “شُذوذًا” عن القاعدة الأمريكيّة في التّفاوض مع دولةٍ خصم، فقد جرت العادة أن تتم هذه المُفاوضات السريّة في دولةٍ ثالثةٍ مُحايدةٍ ومقبولةً للطّرفين، مِثل سويسرا أو سلطنة عُمان، ولكن أن يذهب المبعوثين الامريكيين إلى عاصمة الطّرف الخصم فهذا دليلٌ على التّهافت والضّعف، ومُحاولة إنجاز صفقة الإفراج عن المُعتقلين بأيّ طريقةٍ مُمكنةٍ، وصلابة الطّرف الآخَر.

لا نَستبعِد حمل المبعوثين الأمريكيين عُروضًا مُغريةً وضَعاها على مكتب اللواء المملوك أثناء الاجتماع به، ولكنّها كانت أقل من الشّرط السّوري بالانسِحاب، ولهذا جرى إلقاؤها في سلّة المُهملات الضّخمة، وعادَ المَبعوثان مُطئطِئي الرّأس، أو بخفّي حُنين، مثلما يقول المثل العربيّ، على الأرجح.
إرسال ترامب رسالةً خطيّةً إلى الرئيس الأسد، ويُلحِقها بمبعوثين من البيت الأبيض وليس الخارجيّة، يُؤكّد أنّه يعترف “مُضْطَرًّا” بالرئيس الأسد وشرعيّته بعد أن فَشِل في تغيير نِظامه، وهذه القاعدة تَنطبِق أيضًا على الدّول التي فتحت مَطاراتها على مِصراعيها لاستِقبال طائرات الخُطوط الجويّة السوريّة، وضخّت مِئات المِليارات في الحرب السوريّة.
الرئيس الأسد له عبارة مشهورة تقول إنّ ثمنَ الاستِسلام أغلى كثيرًا من ثَمنِ الصّمود

الرئيس الأسد له عبارة مشهورة تقول إنّ ثمنَ الاستِسلام أغلى كثيرًا من ثَمنِ الصّمود”، ويبدو أن التطوّرات الثّلاثة التي ذكرناها آنِفًا تُثبِت مدى مِصداقيّة هذه العِبارة.. وربّما تكون أوّل ثِمار الصّمود.. والأشهر المُقبلة قد تكون حافلةً بالمُفاجآت.. واللُه أعلم.
/انتهى/