“الخامنئي هو خمينيّ آخر/ ولايته ولاية حيدر” بيت من الشعر تحوّل إلى شعار جماهيريّ يردّده الكثير من الشباب الإيرانيّ في المناسبات واللقاءات الشعبيّة ويزيّنون به جدران غرفهم وصفحاتهم الشخصيّة في الفضاء الافتراضيّ.

وكالة برس شيعة الاخبارية- الدكتور محمد محسن عليق:

تشابُه أحرف الاسمين “خميني” و”خامنئي” نفسه، قد أوحى لبعض الكتّاب والفنّانين وعشّاق الولاية بالتفاؤل والاستبشار بأن السيّد الخامنئي ما هو إلّا النسخة الشابة لـ”روح الله”، وقد تسلّم الولاية في غدير “قم”، في استرجاع مشابه لبيعة المسلمين لجدّه الأمير عليه السلام في غدير “خمّ”.

وبعيداً عن هذه الأدبيّات الجميلة، يطرح آخرون تساؤلات وشبهات -والأسباب مختلفة؛ من عشق الإمام الخميني والحنين إلى وهْجه المعنويّ وانتصارات ثورته وفرادة شخصيّته، إلى عدم الاطّلاع على حقائق الواقع الحاليّ للثورة، وقيادتها وصولاً إلى المزايدة والتشكيك لأسباب سياسيّة ونفسيّة وكذلك المتأثّرين بحملات الإعلام الغربيّ أو المتغرّب و…- ويترحّمون على أيّام الإمام “الذي لو كان حالياً لفعل كذا ولما فعل كذا!” محاولين بشكل مباشر أو غير مباشر التفكيك والتشكيك والمقارنة بشكل مبهم بين “زمن الإمام” و”زمن السيّد الخامنئي” دون بحث ومطالعة موضوعيّة، ما يؤدّي عملياً إلى ظلم الاثنين معاً! والتشويش قد يصل إلى حدّ التشويه، غير المتعمّد غالباً.

التمثيل الّي طرحه الإمام الخامنئي في كتابه إنسان بعمر 250 سنة والّذي يقدّم طرح تحليليّ إجتماعيّ – سياسيّ لحياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والأئمة المعصومين عليهم السلام، يساعدنا بشكل كبير على فَهم الحركة التكامليّة للإمام الخامنئي بعد رحيل “الإمام العظيم”؛ خاصّة أنّ سماحة السيد القائد قد أعلن بوضوح، منذ الأيام الأولى لتولّيه “ولاية الأمر وإمامة الأمّة في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف”(4) أنّ “هذا العصر هو عصر الإمام الخميني وهو مستمرّ وخالد”، و“أنّ نهجَه نهجُنا وهدفَه هدفُنا” و”أصول إمامنا العظيم هي خارطة طريقنا”. فكان الإمام القائد ولا يزال ساعياً في شرح وتبيين مباني وأصول نهج الإمام الخمينيّ وحفظها من محاولات التحريف المستمرّة منذ بدايات انتصار الثورة وفي حياة الإمام الخميني قدس سره.

نهضة البرمجيات مع الإمام القائد
يطرح الإمام الخامنئي، ومنذ بدايات ولايته، فكرة محورية؛ تتلخص بأنّ الإمام الخميني قدس سره قد أسّس في حياته المباركة ما يمكن تسميته بالأقسام الصلبة (hardware) لنظام الثورة الإسلاميّة؛ بحيث وضع الأسس الفكريّة للثورة وبنى النظام الإسلاميّ بدستوره المميّز ومؤسّساته وحدّد الأهداف والاستراتيجيات والأصول الأساس للحركة، والمطلوب منّا أن نقوم بـ”نهضة البرمجيات” (software revolution)؛ أي الخطط والبرامج والسياسات والأدوات والأساليب المثلى للوصول إلى تلك الأهداف للتقدّم ومعالجة الآفات والتحدّيات والعدوان وفق المباني والأصول الصلبة.

نستطيع القول أنّ السيد القائد يستكمل الجهد العلميّ والتراث الفكريّ، الأخلاقي والعرفاني، وعمليّة التخطيط الاستراتيجيّ  للإمام ويبني عليهم دون أن يكرّر العمل.

إذا كان الإمام الخميني قدس سره قد نهض، “مؤمناً بالله وبشعبه وبنفسه” ووضع الفلسفة الوجوديّة لهذه الثورة، والنظام الإسلاميّ، والحركة العالمية للمسلمين والمستضعفين، فكان على المستوى الفكريّ، وكما عبّر القائد: “إنّ الإمام (رضوان الله عليه) هو عصارة وخلاصة مدرسة صدر المتألهين الشيرازي؛ ليس في فلسفته فقط وإنّما في عرفانه أيضاً”، فإنّ الخمينيّ الآخر، قد تصدّى لمتابعة الاجتهاد لصياغة فلسفات مضافة من تلك الحكمة المتعالية وإنزالها إلى ميدان الحياة عملياً لتقديم النموذج الحضاريّ وحلّ مشكلات المجتمع الإسلاميّ بنمط مغاير للتجربة الغربيّة. وهنا تبرز أهميّة طرحه وإشرافه على التحوّل البنيويّ في التربية والتعليم، كأكبر عمليّة اجتهاد واستنباط جمعيّ عرفه العلماء المسلمون على مرّ التاريخ.

يقول آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي “الحقيقة أنّه في زمان حياة الإمام (رحمة الله عليه) كلّما كانت تراودني فكرة: ما الذي سيحصل بعد رحيل الإمام؟ ينتابني الاضطراب وأُحاول أن أصرف هذه الفكرة عن مخيّلتي ولا أعود إلى التفكير فيها بتاتاً… لكنْ عندما تسلّم قائد الثورة المعظّم (دامت بركاته) مقاليد القيادة.. بدا لنا وكأنّ روح الإمام قدس سره قد حلّت في بدنه، حتّى إنّ تلك العظمة عينها، وبخصوصيّات ممتازة أيضاً، قد ظهرت في شخصيّته. في الحقيقة لا يسعني أن أُقارن كلّ سمات الإمام بسمات شخصيّة قائد الثورة لأقول إنّهما متساويان في قسم منها، أو إنّ أحدهما يسمو على الآخر في قسمها الآخر… أولئك الذين يرون القائد عن كثب ويستطيعون مقارنته بأقرانه يدركون أنّ الفرق بينه وبين الآخرين هو كالاختلاف بين السماء والأرض./انتهی/