كتب الاستاذ الجامعي البروفيسور عبد الستار قاسم* مقالا لوكالة مهر اكد فيه ان الإمام الخميني هو أهم شخصية ظهرت على المسرح السياسي الثوري في المنطقة الإسلامية واضعاً إيران في مقدمة الدول التي تدافع عن الحقوق الفلسطينية.

الدكتور عبد الستار قاسم: العصر  الحديث يبدأ مع الثورة الفرنسية عام 1789 والإمام الخميني رحمه الله هو أهم شخصية ظهرت على المسرح السياسي الثوري في المنطقة الإسلامية في العصر الحديث والسبب أن الخميني أحدث ثورة في عدد من المجالات: ثورة في الفكر الإسلامي، وأخرى في المفاهيم الاجتماعية والسياسية، وثورة على الظلم والاستعباد والتبذير، وأخرى على الهيمنة الغربية على المنطقة.
وعلى الرغم من أن فكره الإسلامي لم يكن مقبولا لعدد من الفرق الإسلامية، إلا أن ثورته الفكرية شملت هؤلاء أيضا، وأخذوا يفكرون بطريقة جديدة تخرج الإسلام من ظلام ضيق الأفق إلى نور الأفق الواسع المستند إلى معطيالت علمية.
أعطى الإمام الخميني دروساً لكل النشطاء على مستوى جمعيات وأفراد في الإسلام المنفتح الذي يتسع للجميع مسلمين وغير مسلمين، وأوصل للعالم رسالة إسلامية واضحة تماما وهي أن الإسلام دين سلام ومحبة، لكنه في ذات الوقت لا يقبل الظلم والذل، ولا يرضخ للقوة. فمن أراد أن يقيم سلاما وتعاونا مع المسلمين فعليه أن يرفع الظلم عنهم، ويتجه نحو الاحترام المتبادل. كثر هم الذين كانوا ينظرون إلى الإسلام على أنه دين شعائر وطقوس، ودين ظلم واستبداد وقمع وتكفير، لكن الإمام الخميني أقنع مؤسسات كثيرة وأشخاصا كثرا على اتساع العالم بأن النظرة التقليدية للإسلام ليست صحيحة، وبيّن لهم بالممارسة العملية أن الإسلام دين علم وعمل وإلإنتاج، ودين جهاد ضد الظالمين المستبدين. فمنذ البدء عمل الخميني على ترسيخ حرية الإنسان الإيراني، وعمل على النهوض بالأمة في كافة المجالات لتكون مثلا في التقدم والازدهار.

بسبب إيران شعر الفلسطينيون بنوع من الطمأنينة بعد أن أدار لهم العرب ظهورهم
بالنسبة للكيان الصهيوني، وضع الإمام إيران في مقدمة الدول التي تدافع عن الحقوق الفلسطينية وترفض إقامة كيان صهيوني على أرض إسلامية مقدسة، وكان حاسما في طرد الصهاينة من إيران وتحويل سفارتهم إلى سفارة فلسطينية. ومن ثم سار الخميني وخلفاؤه في طريق امتلاك القوة التي بدونها لا يمكن ترجمة الأقوال إلى أفعال. وبسبب إيران شعر الفلسطينيون بنوع من الطمأنينة بعد أن أدار لهم عرب كثر ظهورهم. إيران هي التي قدمت كل الدعم لحركات المقاومة في المنطقة. بداية قدمت الدعم لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإلى بعض الفصائل الفلسطينية التي كانت عاملة في لبنان. وإذا حصلت انتكاسة في العمل المقاوم الفلسطيني فسببه الفلسطينيون أنفسهم وليس إيران. كما قدمت الدعم لحزب الله إلى أن وصل الآن إلى حد ردع الصهاينة عسكريا، وهو قادر على تنفيذ هجوم عسكري ضخم على الكيان الصهيوني من جهة الشمال. وإيران دعمت الجبهة الشعبية القيادة العامة، وقدمت كل الدعم لحركتي الجهاد الإسلامي وحماس ولكل من توفرت له النية في قتال الصهاينة وإخراجهم من فلسطين. والآن يخشى الصهاينة إيران ولا يتوقفون عن التحريض ضدها خاصة في بلدان عربية ودول أوروبية. وبسبب دعمها للقضية الفلسطينية ورفضها للكيان الصهيوني، تحملت إيران ضغوطا اقتصادية وعسكرية ومالية ودعائية هائلة منذ عام 1979، عام انتصار الثورة، وما زالت تتحمل حتى الآن بخاصة الحصار الأمريكي الاستعماري المفروض عليها. ولو أرادت إيران أن تتخلى عن مبدئها بخصوص قضية فلسطين، لفتحت أمامها خزائن الأرض. لكن القيادة الإيرانية، وكما اعتدنا عليها لا تبادل المبدأ بالطعام أو المال. المبدأ أولى أن يكون محترما.
في المجال العلمي والتقني، ابدعت إيران بسبب حرص الإمام الخميني على دفع إيران إلى الأمام تقنيا وعلميا بسبب قناعته أن الأمم القوية المحترمة لا تكون كذلك إلى إذا كانت رائدة علميا وتقنيا. أنشأت إيران الجامعات الحديثة، وطورت أنظمتها التعليمية والتربوية، وأنشأت المختبرات العلمية وشجعت العلماء من مختلف التخصصات على الانشغال بالبحث العلمي والاكتشاف للقوانين العلمية . وشجعت البحث والتدقيق ايضا في القضايا الاجتماعية والإنسانية، وأصبحت دولة رائدة في نشر الأبحاث العلمية على المستوى العالمي. وبالتوازي مع البحث العلمي والاكتشافات العلمية، طورت إيران قدراتها الاختراعية التكنولوجية بهدف إنتاج ما يلزمها من أدوات في مختلف مجالات الحياة. وقد وصلت إيران إلى حد تطوير قدراتها النووية، وإذا سمح المستوى السياسي الإيراني للعلماء بإنتاج القنابل النووية، فإنهم يتمكنون من ذلك في غضون أشهر.

ايران بسبب دعمها للقضية الفلسطينية ورفضها للكيان الصهيوني، تحملت ضغوطا اقتصادية وعسكرية ومالية ودعائية هائلة منذ عام 1979
وإيران طورت قدراتها الدفاعية والهجومية في آن واحد. حسب الإمام الخميني، إيران لا تنوي الاعتداء على أحد، أو احتلال ديار أحد، لكن يجب أن تكون قادرة على ردع أعدائها وأن تنتصر عليهم إن هم غامروا وهاجموها. إيران طورت المدافع والدبابات والقوارب الحربية والمدمرات والسفن الحربية، والغواصات والصواريخ تحت الماء والطوربيدات. وهي طورت طائرات حربية وصواريخ جو جو، وأرض جو، وأرض بحر، وبحر بحر، الخ. ومكنت إيران من تطوير الصواريخ الموجهة الذكية، وهي تعد الآن من الدول الأكثر تطورا في مجال الإلكترونيات والطائرات المسيرة.
صنعت إيران ما يلزم سكانها من أدوات ووسائل الراحة مثل السيارات والمولدات الكهربائية والأدوات المنزلية والسلع الاستهلاكية. وتطورت بصورة كبيرة في مجال الزراعة على اعتبار أن الزراعة هي لقمة الخبز، وخاب من ترك لقمة خبز شعبه بيد غيره. هناك وفرة في الكثير من المواد الزراعية، ولو لم تكن إيران تحت الحصار على مدار العقود الأربع الماضية لكانت قفزاتها العلمية والإنتاجية أوسع بكثير. لكن هذا هو الاستعمال الغربي الذي يكره سياسة الاعتماد على الذات عند الآخرين لكي يبقى مهيمنا. وقد أشرت في كتاب الأخير المعنون نظرية الاعتماد على الذات إلى التجربة الإيرانية كنموذج بديع يحتذى بها من قبل كل الدول الفقيرة ومتوسطة الحال.
على الصعيد الدولي، إيران أصبحت الآن لاعبا دوليا أساسيا لا يمكن تجاهلها أو القفز عن دورها على المستويين افالاقليمي والدولي. على المستوى الدولي تحدت إيران أمريكا، ومخرت سفنها البحار والمحيطات حاملة النفط إلى فنزويلا المحاصرة. لقد كبرت إيران في هذه الخطوة أمام دول العالم وشعوب الأرض. واثبتت للجميع أنها لا تطلق الشعارات فقط ، وإنما هي تنفذ ما تقول. دول عظمى لا تجرؤ على تحدي الولايات المتحدة، لكن إيران فعلت وحذرت أمريكا مرارا من المس بسفنها التي تحمل البنزين. ولو تجرأت أمريكا ومست السفن الإيرانية لردت إيران الصاع صاعين ضد المنشآت والمصالح الأمريكية. وسبق لإيران أن ردت بقوة على اغتيال الشهيدين سليماني والمهندس، وكان في ذلك شجاعة نادرة. دولة كانت مستضعفة، وكان شاه إيران يطوعها للصهاينة والأمريكانت صل إلى درجة ضرب قواعد جوية أمريكية وتلحق بها دمارا هائلا.
النموذج الإيراني يثلج الصدر، ويعزز الثقة بالنفس، ويردع الأعداء. سهر الإيرانيون وواصلوا الليل بالنهار وهم يبحثون ويدرسون ويطورون. ولولا فكر السياسيين المتميز بالأفق الواسع، ولولا علماء إيران الكبار وتوفيق الله سبحانه وتعالى لما وصلت إيران هذه المكانة المتقدمة على المستوى العالمي.
هناك عرب متضامنون مع الكيان الصهيوني يحرضون ضد إيران ويشيطنونها ويجعلون منها عدوا بدل الكيان الصهيوني. هؤلاء اقزام يحتقرهم الصهاينة وأهل الغرب، ولا مستقبل لهم ولا شأن. هم مجرد أدوات يتلاعب بهم الاستعمار الغربي والكيان الصهيوني. وإذا كانوا على مدى سنوات غير قادرين على هزيمة الحوثيين فهل سيهزمون إيران. السياسة الإيرانية بهذا الشأن واضحة: هي تقول لهؤلاء العرب غير العرب إن أمن المنطقة يجب أن يكون من شأن أهل المنطقة فقط وعلى أمريكا أن تخرج من الخليج (الفارسي) ومضيق هرمز. وعاجلا أو آجلا سينتهي الوجود الأمريكي في منطقة الخليج (الفارسي) وفي المنطقة العربية الإسلامية عموما.

—————————————————–

* الدكتور عبدالستار قسم أستاذ العلوم السياسية في جامعة «النجاح الوطنية» في نابلس صاحب كتاب ‘سقوط ملك الملوك’ الصادر عام 1979 حول انتصار الثورة الإسلامية في إيران وإنهاء حقبة «الشاه» حيث تطرق في كتابه الى فكر الإمام الخميني (رض)، سيما نظرته لمستقبل منطقة الشرق الأوسط في ظل الهيمنة الغربية، واستشرافه لحرب التقسيم التي تستهدفها اليوم تحت عناوين طائفية من أجل إبعاد الاهتمام عن القضية الفلسطينية.