جاء في خطاب السيّد حسن نصر الله الذي ألقاه يوم امس بمناسبة ذكرى أربعينية الإمام الحسين أنّه إذا نزل الحزب وأنصاره “الكُثر” إلى الشارع فلن يتركه إلا بعد تحقيق جميع المطالب كاملةً، إنّه تهديدٌ مُباشرٌ وصريحٌ للنّخبة الحاكمة، وإنذارٌ أخيرٌ لها.

 شيعة برس نقلاً عن صحيفة رأي اليوم:

حَرَصَ السيّد حسن نصر الله زعيم “حزب الله” على “إنقاذ” النّظام السياسيّ الحاليّ في لبنان، والحَيلولة دون انهيار الدولة، عندما عارَض بقُوّةٍ سُقوط حُكومة الرئيس سعد الحريري، وإجراء انتخابات تشريعيّة جديدة، لأنّ إقالة هذه الحُكومة سيَدخُل البِلاد في أزمةٍ وِزاريّةٍ ربّما تمتد لعام أو عامين، كما أنّ أيّ انتخابات برلمانيّة جديدة ربّما تأتي بالوجوه نفسها، ولكنّه اعترف في الخِطاب نفسه الذي ألقاه اليوم السبت بمُناسبة أربعينيّة الإمام الحسين، أنّ الخُروج من الأزمة الحاليّة لا يتم بفرضِ ضرائب جديدة على الفُقراء وذوي الدّخل المَحدود، وإنّما بروحٍ جديدةٍ، ومنهجيّة جديدة ومُعالجات جديدة.

الأمر المُؤكّد أنّ خِطاب السيّد نصر الله سيكون مُفاجئًا للكثيرين من المُتظاهرين في شوارع مُدن لبنان وميادينها الذين يُطالبون بإسقاط النظام وليس حُكومة السيّد الحريري فقط، باعتبارها، وكُل الكُتل النيابيّة والسياسيّة المُمثّلة فيها، على أساس المُحاصصة الطائفيّة، مَسؤولة عن إهدار المال العام، وإغراق البلد في الفساد، وتدهور الأحوال المعيشيّة والخدَمات للغالبيّة العُظمى من المُواطنين.

السيّد نصر الله قال إنّ هُناك خطَرين يُواجهان لبنان: الأوّل الانهيار الاقتصادي، والثاني الانفجار الشعبي، ولا نعتقد نحن في هذه الصّحيفة “رأي اليوم” أنّ الحُكومة الحاليّة، والنّخب السياسيّة والطائفيّة المُمثّلة فيها، قادرةٌ على مُواجهة هذين الخَطرين ومنع الانهيار الاقتصاديّ وتطويق الانفجار الشعبيّ، لأنّها تسير على نهج الحُكومات السابقة التي أوصلت البِلاد إلى هذا المأزق الوجوديّ، علاوةً على كونها “غير مُؤهّلة” لاتّخاذ خطوات “ثوريّة” تَجتَث جُذور الفساد والطائفيّة.

الشارع اللبناني تحرّك بطريقةٍ عفويّةٍ في انفجارٍ شعبيٍّ غير مسبوق تجاوز كُل الاعتبارات المسكوت عنها في السّنوات العشرين، أو حتى الخمسين السابقة، وأظهر وحدةً وطنيّةً عابرةً لكُل المُحاصصات الطائفيّة، ورغبةً صلبةً في إحداث التّغيير الجذريّ، تمامًا مِثلَما فعل أشقاؤه في تونس والجزائر والسودان.

لا نتّفق مع السيّد نصر الله في أنّ أيّ انتخابات برلمانيّة جديدة ستأتي بالوجوه نفسها، فبعد هذه الانتفاضة الشعبيّة الصّادقة التي كان الشّباب والمَحرومون عمود خيمتها، ربّما تكون النّتائج مُختلفة، ولن يكون لهذه الوجوه “المُزمنة”، أو مُعظمها، أيّ مكان في البرلمان، ولعلّ النّموذج الانتخابيّ الرئاسيّ والتشريعيّ التونسيّ الأخير الذي جاء بالسيّد قيس سعيّد إلى قصر قرطاج، وهو الرّجل البسيط الذي هزَم القِطط السّمان واليسار واليمين، دليلنا.

الظّرف اللبناني حَرِجٌ، وهُناك قِوى أجنبيّة، أمريكيّة وإسرائيليّة وعربيّة أيضًا، تُريد تفجير لبنان وإغراقه في حرب أهليّة، استِهدافًا لحزب الله، ومحور المُقاومة الذي حقّق انتصارات كبيرة في سورية والعِراق وفِلسطين وإيران وحرب اليمن، وهذه القِوى عَجِزت عن تَركيع هذا المحور بالحِصار والعُقوبات، وربّما هذا الاستهداف الذي حتّم على السيّد نصر الله استخدام هذه اللُّغة واللُّجوء إلى التّهدئةِ المَسؤولة.

نعم الخُروج من الأزمة ليس بفرض ضرائب جديدة على الفُقراء والمَعدمين، ووقف إهدار المال العام، ولكن تحقيق هذا الهدف لا يُمكن أن يكون من خلال الوجوه نفسها أو مُعظمها في الحُكومة والبرلمان، لأنّه لا يُمكن تجريب المُجرّب مرّةً تِلو الأُخرى.

نُدرك جيّدًا أنّ انفجار الاحتقان الشعبي يُمكن أن يخلق حالةً من عدم الاستقرار في البِلاد إذا ما استمرّ، مثلما نُدرك أيضًا أنّ السيّد نصر الله يتعاطى بأعلى درجاتِ الحِرص والمسؤوليّة لمنع انهيار الدولة اللبنانيّة وحرف الحزب عن مهامه الاستراتيجيّة الأكبر واستنزافه داخليًّا، ولكن لا بُد من الإدراك أيضًا أنّ الجماهير المسحوقة عندما يطفح كيلها وتنزل غاضبةً إلى الشّوارع لا تعود إلى بُيوتها إلا بعد أن تتحقّق مُعظم مطالبها، إن لم يكُن كلها، الأمر الذي يضع عِبْئًا ثقيلًا على كاهِل السيّد نصر الله عُنوانه الأبرز كيفيّة تحقيق التّوازن بين مطالب الغاضبين المشروعة، وطُموحاته العربيّة والإسلاميّة الأكثر مَشروعيّةً أيضًا.

الجماهير اللبنانيّة الغاضبة، طالبت، وتُطالب “حزب الله” بالوقوف في خندَقِها في مُواجهة الإقطاع السياسي، وناهِبي المال العام، ولكنّه اختار أن يكون مع النظام السياسيّ الحاكم، ومعها ومطالبها في الوقت نفسه، وهو خِيارٌ مُحرِجٌ اضطرّ لاتّخاذه ليس اقتناعًا بجدوى استمراره، وإنّما لتقليص الخسائر، وكسب المزيد من الوقت، وإعطاء النظام فُرصةً، وربّما تكون الأخيرة، ولا نعرف ما إذا كان هذا الموقف “المسؤول” سيُعطي ثماره أم لا، ويحظى بتفهّم الشباب الغاضب في الشارع اللبناني بالتّالي.

جملةٌ لفَتت نظَرنا في خِطاب السيّد نصر الله تقول بأنّه إذا نزل الحزب وأنصاره “الكُثر” إلى الشارع فلن يتركه إلا بعد تحقيق جميع المطالب كاملةً، إنّه تهديدٌ مُباشرٌ وصريحٌ للنّخبة الحاكمة، وإنذارٌ أخيرٌ لها.

يُؤسِفنا أنّ نُكرّر القول بأنّ هذه النّخبة السياسيّة الحاكمة في لبنان، والمُهيمنة على شُؤونه مُنذ استقلاله، ليست أهلًا للإصلاح والتّغيير بسبب طابعها الإقطاعيّ والمذهبيّ والطائفيّ، وأيّ خطوات تُقدِم عليها في هذا المِضمار، تجاوبًا مع ضغط الاحتجاجات، ستَكون “تحذيريّةً” بالأساس، هدفها التّهدئة وامتِصاص الغضب، تعود بعدها “حليمة إلى عادتها القديمة”، لأنّها أدمنت الفساد وابتعدت كُلِّيًّا عن الجماهير، وباتت تعيش في “فُقاعةٍ” معزولةٍ، أو كوكبٍ آخر.

استمرار هذه الانتفاضة الشعبيّة، وهذا هو الاحتمال المُرجّح، سيدفع السيّد نصر الله للوقوف في خندَقِها، لأنّ مُعظم هؤلاء المُشاركين فيها هُم من جماهيره ومُحبّيه، حتى لو لم يرفعوا علَمَهُ وصُوره.. واللُه أعلم. /انتهى/