كتبت الاعلامية والكاتبة “فايزة محمد” ملخصا عن زيارتها لأهم مدن ايران الذي بدأت بالعاصمة طهران، حيث دعيت اليها للمشاركة في مؤتمر للحوار الثقافي، ومن ثم استمرت مرورا بالعاصمة الدينية “مشهد” ومن ثم “شيراز” و”يزد” اللاتي اعتبرتهما عصمتا الثقافة والتراث على التوالي.

شيعة برس – فايزة محمد: عندما دُعيت إلى طهران قبل سنتين تقريبًا للمشاركة في مؤتمر الحوار الثقافي العربي الإيراني، تعرَّفتُ على بعض تفاصيل حركة الحياة في هذا البلد، خاصَّة من الناحية الثقافية والمجتمعية. وبعد زيارتي لمدينة مشهد في نفس السنة، تعرَّفتُ على العاصمة الدينية لإيران التي تضم ضريح الإمام الثامن لأهل البيت علي بن موسى الرضا -رضي الله عنهما- فقرَّرت هذه المرة أن تكون الزيارة من البوابة الثقافية لهذا البلد وهي شيراز، إضافة لمدينة يزد التي أستطيع تسميتها بعاصمة إيران التراثية، وكان من المفترض أن تشمل الزيارة أيضًا أصفهان التي يُطلق عليها الإيرانيون اسم “نصف جهان” (نصف العالم)، ولكن لضيق الوقت تم تأجيلها إلى وقت آخر.

وتُعتبر شيراز العاصمة الثقافية لإيران منذ عدة قرون؛ فهي تضمُّ ضريحيْ الشاعرين الكبيرين حافظ وسعدي الشيرازي، اللذين تجاوزت شهرتهما إيران إلى العالم الإسلامي بل العالم أجمع، خاصة حافظ الشيرازي الذي أصبح ضريحه مكانا يلتقي فيه أهل التصوف والعرفان من جميع أنحاء العالم، يقرأون الفاتحة على ضريحه، ويتجمَّعون لقراءة أبياتٍ غزلية وعرفانية من ديوانه الذي لا يكاد بيت في إيران يخلو من نسخة واحدة منه على الأقل، وعند ضريح حافظ تجد قبورًا لشعراء وصوفية وعرفاء ومعجبين اختاروا أن يكون مرقدهم الأخير إلى جوار هذا الشاعر. كما أنَّها تضم أيضًا ضريح الشاعر خواجوي كرماني (المتوفَّى سنة 763هـ) وضريحه عند دروازة قرآن (بوابة القرآن) وشعراء آخرين.

ولأنَّ زيارة هذه المدينة التاريخية ليست كزيارة مدينة أخرى؛ فقد اخترت الإقامة في فندق كان أصلا أحد البيوت الأثرية القديمة بالمدينة، واسمه “خانه باغ إيراني”، وهذا البيت الواسع بناه أحد علماء شيراز البارزين، واسمه الميرزا أبو الفضل محلاتي (توفِّي سنة 1930)، وعندما توفاه الله اختار أبناؤه أن يكون البيت مكانا يتجمع فيه أهل الأدب والفكر والثقافة في هذه المدينة، وكانت تقام فيه أمسيات أدبية وشعرية يشارك فيها أدباء من شيراز وخارجها، ثمَّ قرَّر أحفاده تحويل البيت إلى فندق، وأطلقوا أسماء شعراء إيرانيين معروفين على الغرف؛ فالغرفة التي كُنت أسكن فيها كانت تحمل اسم الشاعر سهراب سبهري (1928-1980).

وشيراز من العواصم الثقافية البارزة في التاريخ الإسلامي، وجاء في كتاب “حافظ الشيرازي.. شاعر الغناء والغزل في إيران” للدكتور إبراهيم أمين الشواربي، أنَّ سبب تسمية شيراز يرجع إلى أن أول من بناها هو شيراز بن فارس أو شيراز بن طهمورث، ونقل عن القاموس المحيط للفيروز آبادي بأن الشيراز هو اللبن الرائب المستخرج ماؤه، جمعه “شواريز” و”شآريز”. ورجح الشواربي أن المدينة بنيت أثناء خلافة عبدالملك بن مروان وأثناء حكم الحجاج بن يوسف للعراق؛ وبالتالي فهي ليست قديمة. ويضيف الشواربي في كتابه أنَّ ازدهار المدينة الحقيقي كان في القرن الرابع الهجري حينما اتَّخذها البويهيون مستقرًّا لهم ولملكهم في فارس.

ومن الأماكن الشهيرة في شيراز قلعة الملك كريم خان الزندي، وهذا الاسم يتكرَّر كثيرًا في شيراز سواء في الشوارع أو المحلات، ومن لا يعرف هذا الرجل فهو مُؤسِّس الدولة الزندية في فارس؛ حيث اتَّخذ من شيراز عاصمة لدولته خلال فترة حكمه من 1750 إلى 1779م، واستطاع أن يمد نفوذ حكمه إلى كثير من مناطق ما يعرف اليوم بإيران، ويقال بأن القلعة بُنيت بحيث تصمُد أمام الزلازل، وقد قامت الحكومة الإيرانية بترميمها منذ عدة سنوات وقطعت شوطا كبيرا في ذلك، وما زالت عملية الترميم مستمرة في بعض الأجزاء الصغيرة فيها. وقد زُرت القلعة في اليوم الثاني مباشرة من وصولي إلى شيراز، وتعتبر تحفة معمارية رائعة جدا ووجهة سياحية يقصدها الزوار من داخل وخارج إيران.

“ألا يا أيها الساقي أَدِر كأسا وناولها

فإني هائم وجدا… فلا تُمسك وعجِّلها

بدا لي العشقُ مبسوراً… ولكن دارت الدنيا

فأضحى يسره عسرًا… فلا تبخل وناولها”

(حافظ الشيرازي)