عكست المظاهرات الصاخبة ليهود الفلاشا -التي شلت المدن والطرقات الرئيسية في (إسرائيل)- احتجاجا على مقتل شاب من أصول إثيوبية برصاص ضابط في الشرطة (الإسرائيلية) هشاشة المنظومة المجتمعية وتغلغل العنصرية والتمييز بالعلاقات بين مختلف الطوائف اليهودية.

ولم تقتصر العنصرية والتمييز بسياسة الضغط على الزناد من قبل الشرطة التي قتلت في العامين الأخيرين 3 شبان من أصول إثيوبية، بل كانت هناك العديد من حالات المدارس التي لم تقبل الطلاب من أصول إثيوبية بسبب لون بشرتهم..

ولسنوات، تم إلقاء وحدات الدم التي تبرع بها أفراد من يهود الفلاشا في القمامة بزعم الخوف من الأمراض المعدية والوراثية..

ويجمع ناشطون ومحللون إسرائيليون على أن العنصرية متفشية في المجتمع (الإسرائيلي) كالنار في الهشيم، سواء بين المهاجرين الإثيوبيين أو غيرهم من الشرائح الاجتماعية، لكن يؤكدون أن الحالة الإثيوبية استثنائية، خاصة بسبب عامل اللون الذي يمنع الاندماج الكامل في المجتمع (الإسرائيلي)..

ويعتقدون أن التمييز ضد المهاجرين الإثيوبيين هو نتيجة مباشرة لاختلافاتهم الخارجية ولونهم، وأن مقتل الشاب الإثيوبي سلومون طاقى (18 عاما) هو أحد أعراض المرض الخبيث وهو “العنصرية والتمييز” الذي يهدد بتدمير المجتمع والدولة، مؤكدين أنه لا يمكن إخفاء الوضع الصعب والمعقد للمجتمع الإثيوبي الذي يعيش حالة من العزلة والغربة عن المجتمع اليهودي و(دولة إسرائيل).

فجوة وشرخ

وفي هذه الفجوة الشاسعة التي أعقبت عملية قتل الشاب الإثيوبي وما تبعها من احتجاجات، يجمع محللون على أنه في حال عدم تدارك الأمور فإن ذلك يمكن أن يؤدي لتصدع بالنسيج المجتمعي، الأمر الذي من شأنه أن يدخل الإحباط والغضب والقلق والتراجع والذنب والشعور بالذنب لدى جميع أبناء الطوائف اليهودية، وعلى رأسهم الفلاشا..

وفي ظل الاحتجاجات والمظاهرات ليهود الفلاشا بالبلاد وفي محاولة من (الحكومة الإسرائيلية) لامتصاص الغضب، حطت بمطار بن غوريون في تل أبيب عصر الأربعاء طائرة على متنها 602 إثيوبي من أصل 1000 كان من المفروض أن يتم استقدامهم من العاصمة أديس أبابا، بحسب تعهدات حكومة بنيامين نتنياهو التي أعدت خطة لاستقدام آخر 8 آلاف يهودي من إثيوبيا.

كما استعانت المؤسسة (الإسرائيلية) بشخصيات وحاخامات من أصول إثيوبية لكتابة مقالات تحمل في طياتها أبعاد دينية وتوراتية مفادها تحقيق ما وصفته بـ”الحلم” بالقدوم إلى الوطن القومي للشعب اليهودي، داعية إلى الحفاظ على وطن اليهود والنسيج المجتمعي للشعب الإسرائيلي.

تمييز وعنصرية

فتحت عنوان “أيها الإخوة، احترسوا من اليأس، لا تحولوا الدولة إلى عدونا” كتب الحاخام من أصول إثيوبية شارون شالوم مقالا في الموقع الإلكتروني لصحيفة يديعوت أحرونوت دافع من خلاله عن مؤسسات (الدولة الإسرائيلية)، وعن اتهام الشرطة بالعنصرية واعتمادها نهج التمييز..

واستعرض الحاخام الإثيوبي أنماط السجال السائدة في المجتمع الإسرائيلي، مبينا أن هناك حالة من اليأس نتيجة الشعور بعدم وجود عدالة أو عدم البحث بعمق في الكثير من الحالات التي راح ضحيتها شبان من أصول إثيوبية برصاص أفراد من الشرطة..

عزلة وغربة

من جانبه، يرى الناشط في احتجاجات يهود الفلاشا إيال جيطو أن اليهود المهاجرين من أصول إثيوبية قدموا -من خلال المظاهرات- لائحة اتهام ضد( دولة إسرائيل) واتهموها بالعنصرية والتمييز، لافتا إلى أن الاحتجاجات الصاخبة للمهاجرين الإثيوبيين هي تعبير عن الألم والغضب اللذين عاناهما المجتمع على مر السنين في( إسرائيل).

ويعتقد جيطو أنه حان الوقت لكي ينظر (المجتمع الإسرائيلي) في المرآة ويدرك أن هناك مشكلة عميقة تتطلب علاجا من الجذر، مبينا أنه لا يوجد فرق بين المصطلح الخاطئ “الشرطة المفرطة” وعواقبه المدمرة وبين الاتفاقية السرية التي تمنع بيع أو استئجار الشقق للمهاجرين الإثيوبيين، وحتى الطبيب اليهودي الأبيض الذي يرفض علاج شخص من أصل إثيوبي يعيش بمجتمع يحرسه شرطي يطلق النار على صبي إثيوبي دون تمييز.

تشكيك وتحفظ

بدوره، قال رئيس قسم العمليات في المنظمة الصهيونية العالمية درور مورغ إن اليهود الفلاشا البالغ تعدادهم السكاني اليوم نحو 150 ألفا -ورغم استقدامهم إلى (إسرائيل) منذ سبعينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي- ما زالوا مطالبين بإثبات أنهم يهود، إذ يتم التشكيك من قبل المجتمع الإسرائيلي إذا ما كانوا من الشعب اليهودي أصلا، وعليه يتم نبذهم ويعيشون في عزلة عن المجتمع الإسرائيلي..

وأوضح مورغ أنه مباشرة وفور وصولهم إلى البلاد حصل يهود الفلاشا على معاملة العمال المهاجرين ولم يتم الاعتراف بهم كيهود إلا بعد عملية تحويل “للديانة اليهودية” لم تكن موجودة في حالة المهاجرين الآخرين.

وقال عضو المنظمة الصهيونية العالمية “نحن هنا في (إسرائيل) لم نبذل جهودنا لمعرفة الجالية الإثيوبية، تجاهلنا تماما عاداتهم والصعوبات الثقافية وصعوبات الهجرة، لم نسمح لهم بدخول المجتمع الإسرائيلي، لون بشرتهم لم يمر فوق أعيننا وكأننا لا نراهم، وبالتالي تم دفع يهود الفلاشا إلى هوامش (المجتمع الإسرائيلي). /انتهى/

المصدر : الجزيرة